رأي

بابنوسة… المدينة التي استعادت نبضها: عودة الأهالي وبداية زمن جديد بعد التحرير

سلمي جبرين الضو

 

 سلمي جبرين الضو

المدن تُقهَر حين يسكنها الخوف… وتُبعَث من جديد حين يعود إليها أهلها.

في غرب كردفان، حيث تتقاطع الطرق بين المراعي والسهول وتتشابك الحكايات في وجدان الناس، لم تكن بابنوسة مجرد مدينة تُحرَّر، بل كانت جرحاً وطنياً مفتوحاً وذاكرة مثقلة بسقوط المنازل وصوت الطيران الذي مزّق صمتها الطويل. فسنوات الحرب، وما رافقها من قصف متواصل تقوده جماعة الإخوان المسلمين عبر سلاح الطيران، وبمشاركة الطيران المصري، جعلت من المدينة ساحة لتهجير قسري واسع ودمار هائل لم يبقِ شيئاً من ملامح الحياة الطبيعية.

لكن تحرير الفرقة 22 واندحار جيش الحركة الإسلاموية والمليشيات المتعاونة معها غيّر المشهد جذرياً. فقد سقطت اليد التي كانت تضغط على عنق المدينة، وتحررت المساحات التي ظلت رهينة الخوف والقصف. ومع أول إعلان رسمي عن التحرير، عاد إلى الناس شيء من الاطمئنان، وكأن المدينة تنادي أبناءها الذين طال بهم الغياب.

بدأت حركة العائدين تتصاعد يوماً بعد يوم، في مشاهد تختلط فيها الدموع بالابتسامات. البعض يمشي نحو منزله الذي لم يبقَ منه سوى جدار وحيد، فيما يقف آخرون أمام ركام منازلهم وكأنهم يقفون أمام شاهد لحياة سابقة. ومع كل خطوة على تراب المدينة، تولد رغبة عميقة في إعادة البناء، ليس فقط للمنازل المهدمة، بل للروابط الإنسانية التي حاولت الحرب تكسيرها.

وعلى الرغم من حجم الدمار، فإن روح الناس كانت حاضرة بقوة. فالطرق التي كانت خالية ومهجورة بدأت تمتلئ بالحركة. الأسواق الصغيرة صارت تُفرش من جديد، والأطفال الذين غاب صوتهم طويلاً عادوا يركضون بين الأزقة، بينما الرجال والنساء يصرّون على أن التحرير ليس نهاية المعاناة، بل بداية العمل الجاد لاستعادة ما دمرته المليشيات والقصف الجوي.

وفي ولاية غرب كردفان، خرجت الاحتفالات عفوية، تحمل مزيج الفخر والارتياح. فالمدينة التي كانت مثالاً للوجع صارت اليوم رمزاً للصمود والانتصار. بابنوسة — أو “القميرة” كما يحب أهلها أن يسمّوها — استعادت ما هو أكبر من أراضيها ومبانيها، لقد استعادت معناها وقيمتها وقدرتها على الحياة. وكأن التحرير أعاد إليها الضوء الذي حاول الظلام أن يخمده طوال سنوات.

ومع ذلك، فإن التحديات المقبلة كبيرة. فإعادة تشغيل المرافق العامة وإصلاح شبكات الكهرباء والمياه، وتأهيل المدارس والمراكز الصحية، كلها خطوات تحتاج إلى جهد جماعي ووقت وصبر. غير أن الإصرار الشعبي الذي تجلّى منذ اللحظة الأولى لعودة الأهالي يؤكد أن بابنوسة لن تعود كما كانت فقط، بل ستنهض أقوى مما كانت عليه.

لقد كشفت هذه اللحظة التاريخية أن المدينة ليست مجرد أبنية، بل هي مجموع إرادات أهلها. وأن الحرب مهما حاولت أن تُطفئ الحياة، فإن الناس قادرون على إشعالها من جديد. وبعودة السكان، وبدء إعادة إعمار النفوس قبل الحجر، تبدأ بابنوسة فجر مرحلة جديدة عنوانها: لا شيء أقوى من مدينة قررت أن تعيش.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!