
بقلم مؤيد الأمين
في اللحظة التي ظن فيها مواطنو الخرطوم أن الحرب وضعت أوزارها بانسحاب قوات الدعم السريع من معظم أحيائهم، عادت المدينة لتعيش فصلاً آخر من الخوف والاضطراب. فبعد أشهر من المعارك التي حولت العاصمة إلى ساحة قتال، دخلت القوات المشتركة المساندة للجيش إلى مناطق واسعة من المدينة، حاملةً وعوداً بالأمن والاستقرار، لكن سرعان ما تبددت الآمال تحت وطأة الانتهاكات والتجاوزات التي شهدتها أحياء عدة.
الخرطوم التي أنهكتها الحرب، لم تجد في دخول هذه القوات ما يبدد أوجاعها، بل بدأت معاناة جديدة، اتخذت شكل انتهاكات مباشرة ضد المدنيين، ونهبٍ للمتاجر والمنازل، واعتقالات عشوائية، وممارسات حولت لحظة الهدوء المنتظرة إلى كابوس يومي.
في الكلاكلات وجنوب الحزام، وهما من أكثر المناطق كثافة بالسكان، تتواتر شهادات الأهالي عن تجاوزات متكررة تمارسها عناصر من القوات المشتركة. فبينما رُوّج لعمليات “تمشيط” الأحياء بحثاً عن فلول مسلحة أو متسللين، تحولت هذه الحملات إلى ممارسات خارجة عن القانون. يقول أحد السكان: “كنا نعتقد أن انسحاب الدعم السريع سيعيد الأمن، لكننا الآن نخشى ممن يفترض أنهم حُماتنا. بعض الجنود يقتحمون المنازل دون إذن، ويأخذون ما يشاؤون بحجة التفتيش.”
وفي الأسواق الشعبية مثل سوق الكلاكلة اللفة وسوق مايو، تكررت حوادث الابتزاز العلني للتجار. يُجبر البعض على دفع مبالغ مالية مقابل السماح بفتح محلاتهم أو نقل بضائعهم. في غياب الرقابة الفعلية وضعف سلطة القانون، أصبح المواطن يعيش بين الخوف من المسلحين بالأمس، والخوف من “الحماة” اليوم.
السلطات العسكرية تعلن بين الحين والآخر عن نيتها ضبط المخالفين، لكن الواقع على الأرض مختلف. فالتعدد الكبير في تشكيلات القوات المشتركة، وغياب التسلسل الموحد في القيادة، جعل الانضباط أمراً شبه مستحيل. كثير من هذه القوات تضم عناصر غير مدربة أو لا تخضع لمعايير عسكرية صارمة، ما يجعلها أقرب إلى مجموعات مسلحة تعمل وفق اجتهادها الذاتي.
هذا الوضع أفرز حالة من الفوضى الميدانية التي تنعكس مباشرة على حياة المدنيين. فقد عاد النزوح من جديد، لكن هذه المرة من أحياء “محررة” إلى أخرى أكثر أمناً نسبياً. المدارس التي كانت تستعد لاستئناف الدراسة أغلقت أبوابها مجدداً، وارتفعت أسعار السلع بسبب النهب وعرقلة النقل بين المناطق. حتى المساعدات الإنسانية أصبحت تواجه صعوبات في الوصول إلى المستحقين بسبب تعدد نقاط التفتيش وتضارب الأوامر.
المواطن الذي أنهكته الحرب يعيش اليوم صراعاً مزدوجاً: بين الرغبة في عودة الدولة وهيبتها، والخوف من أن تتحول هذه العودة إلى وجه آخر من القهر. فحين يفقد الناس الثقة في من يحمل السلاح باسمهم، يتزعزع أساس الوطن نفسه.
ويحذر مراقبون من أن استمرار هذه الانتهاكات قد يقود إلى نتائج كارثية، ليس فقط على الأمن، بل على النسيج الاجتماعي ذاته. فالخوف من القوات المفترض أنها “حكومية” يخلق قطيعة بين المواطنين ومؤسسات الدولة، ويغذي شعوراً عاماً بالعزلة والخذلان.
في الأحياء الجنوبية للعاصمة، بدأ بعض السكان بتنظيم دوريات ليلية لحماية منازلهم من السرقة، في مشهد يعكس غياب الثقة الكاملة بالقوات المنتشرة في المنطقة. يقول أحد المواطنين: “لم نعد نعرف من نصدق. كل من يحمل سلاحاً اليوم يمكن أن يهددك أو يبتزك. كأن الخرطوم أصبحت مدينة بلا قانون.”
المفارقة أن تكوين القوات المشتركة جاء تحت شعار “حماية المدنيين وتأمين العاصمة”، لكن غياب الانضباط والرقابة الميدانية جعل هذه المهمة تنقلب إلى نقيضها. فحين لا توجد محاسبة، يتحول السلاح إلى وسيلة للسطو لا للأمن، وتتحول البزة العسكرية من رمز للهيبة إلى مصدر للخوف.
وما يزيد الأمر تعقيداً هو غياب السلطة المدنية التي يفترض أن تراقب وتضبط الأداء العسكري في المناطق السكنية. فالفراغ الإداري الذي خلفته الحرب جعل المدنيين بلا جهة يلجأون إليها عند وقوع الانتهاكات. البلاغات لا تُسجل، والشكاوى لا تُنظر، والضحايا يُتركون لمصيرهم بين الخوف والصمت.
كل ذلك يعيد طرح سؤال جوهري: ما معنى “الانتصار” إذا لم يتحقق الأمن؟ وما قيمة السيطرة على المدن إن كانت حياة الناس أكثر قسوة مما كانت عليه أثناء الحرب؟ فالنصر الحقيقي ليس في رفع الأعلام، بل في عودة الثقة بين الدولة ومواطنيها.
إن الخرطوم اليوم تقف على مفترق طرق حاسم. إما أن تتدارك القيادة العسكرية هذه الانتهاكات وتعيد الانضباط الصارم إلى صفوف قواتها، أو أن تترك العاصمة تنزلق إلى فوضى جديدة، حيث لا فرق بين من يحكم ومن ينهب. فالقوة التي تفقد احترام الشعب، تفقد مبرر وجودها.
المدينة التي كانت يوماً رمزاً للتعايش باتت اليوم مرآة لتمزق الدولة بين مؤسساتها. من معارك الأمس إلى تجاوزات اليوم، لا يزال المدني يدفع الثمن، وحلمه البسيط بالأمان يتبدد بين ضجيج البنادق وغياب العدالة.
الخرطوم لا تحتاج اليوم إلى مزيد من البنادق، بل إلى انضباطٍ ومسؤولية، إلى دولة تحمي لا تروع، وإلى جيش يستعيد شرفه بانضباطه لا بانتصاراته الإعلامية. فكل انتهاك يُرتكب في حق مواطن، هو هزيمة أخلاقية قبل أن تكون عسكرية.
ما تحتاجه العاصمة ليس إعلان النصر، بل إعلان نهاية الفوضى، لأن الوطن لا يُبنى بالمدافع، بل بثقة الناس فيمن يحملها باسمهم.




