رأي

الحسم.. لا سلام في السودان دون تفكيك دولة الإسلاميين داخل الجيش.

علي سانتيتو

أصبح واضحاً أن المشهد السوداني لا يحتمل المزيد من التبريرات والغموض. إن ما نراه اليوم ليس مناورة تفاوضية أو تبادل رسائل روتينية من عبد الفتاح البرهان؛ إنها إعادة إنتاج منظومة سلطوية تزداد تماسّكاً مع تيارات إسلاموية مسلحة وحاضنات اقتصادية تُمكّنها من الإستمرار في السلطة. من يتحكّم في مفاصل القرار العسكري لا يمكن الوثوق به كطرف محايد أو شريك في عملية انتقالية حقيقية. لذا يجب على من يقودون المبادرة الدولية أن يعيدوا ترتيب أولوياته في حماية الشعب السوداني والتحرك بصرامة ومسؤولية لطي ملف الحرب، لا مزيد من ترديد الكلمات تكرارها على المنابر.
أولا، يجب على الإدارة الأميركية رفع منسوب لغتها السياسية إلى حدّ لا يقبل اللبس او المجاملة في التعاطي مع قيادة الجيش الايدولوجي. لان الخطاب الدبلوماسي الضعيف يُقرأ اليوم كضوءٍ أخضر للمماطلة وللابتزاز السياسي. فعلى واشنطن أن تصدر إنذارات سياسية واضحة لا عبارات مواربة تحدّد عواقب استمرار التسويف، وسيناريوهات التعامل مع المسؤولين عن تعطيل الهدنة الإنسانية في السودان. هذه لغة ليست لأجل التهديد من دون هدف، هي لغة لإعادة صنع معادلة القوة السياسية التي يرى فيها من يراكمون الثروة والحماية أن عليهم ثمنٌ مقابل استمرارية اقتسام السلطة.
ثانيًا، قاعدة تمويل الحرب يجب استهدافها دون تردد. يبدو ان الذهب السوداني عاد ليكون وقوداً خفياً لدعم الحرب الطاحنة في السودان، حيث أن التساهل في ضبط صادراته، أو عدم مراقبة شبكات التهريب يعني استدامة آلة العنف واستغلال أمد الحرب. على المجتمع الدولي أن يفرض آليات اقتصادية فورية صارمة، منها عقوبات ذكية على شبكات التهريب ووسطائها، بالإضافة إلى تجميد أصول متورطة في هذا العنف، وإجراءات فنية لوقف تصدير المعادن خارج القنوات الرسمية المتعارف عليها. ولا عذر لعدم اتخاذ إجراءات تجمع بين الضغوط المالية والرقابة الفعلية على الموارد.
ثالثًا، يجب أن تُبلَّغ رسالة صارمة إلى الأنظمة الإقليمية وتحديداً القاهرة، بأن لا مكان للأدوار المزدوجة. حيث أن أي تواطؤ أو تهاون من دول الجوار في مسألة تهريب الذهب، أو احتضان فواعل مسلحة سيواجه تبعات دبلوماسية واقتصادية قاسية للغاية. وإذا كانت هناك قنوات تُستخدم لتمويل عمليات تسليح أو تعبئة، فالأولوية الآن أن يتم إغلاق هذه القنوات، وأن تُحاسب الجهات التي تلعب دور الوسيط أو المتواطئ في هذه الأزمة. فالمسؤولية هنا تصبح سياسية وأخلاقية تجاه شعبٍ يُقتل ويُشرد، بينما تُسوق مصالح ضيقة تحت ظروف الاحتراب.
رابعاً، لا بد من بدائل مدنية واضحة ومُمَكَّنة، فالضغط الدولي وحده لن يثمر إذا لم يقترن بدعم خيارات سياسية وطنية بديلة، تُخرج السودان من قفص الاحتكار العسكري والمناطقي. وفوق ذلك يتم دعم قوى مدنية واعية، تعزيز مؤسسات قضائية قادرة على تحقيق العدالة، ودعم برامج إغاثة وحماية إنسانية، هي أدوات أكثر أهمية من العقوبات ذاتها. ومن دون بناء سياسي واجتماعي يحظى بقبول شعبي، ستبقى أي تهدئة في حالة هشاشه وقابلة للانهيار!
لقد آن الأوان لتسويق خطاب دولي حازم ومفعّل، لا مجرد بيانات شجب ووساطات مُطوّلة. يبقى المطلوب من إدارة ترامب هو قرار حقيقي يضيق الخناق على منظومة تمويل الحرب، ووضع قياداتها أمام حساب سياسي واضح وصريح. ان الشعب السوداني لا يملك رفاهية إنتظار إعادة إنتاج نفس النظام الباطش بألوان جديدة. وعلى الآلية الرباعية التي تقود المبادرة أن تُثبت أن للسلام ثمناً تُدفعه، وإلا فسنشهد دورة أخرى من الفشل السياسي، تُدفع تكاليفها القوى الإقليمية بشكل باهظ، وليس السودان وحده!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!