
نجم الدين دريسة
في الوقت الذي يتطلع فيه السودانيون إلى موقفٍ أمريكي منصف يعينهم على الخروج من دائرة الحرب، جاءت تصريحات وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو لتعيد إلى الذاكرة أخطاء الماضي، وتفتح جراحاً لم تندمل بعد. فحين يصرّح رأس الدبلوماسية الأمريكية بأن “قوات الدعم السريع عادةً ما توافق على الشروط ثم لا تلتزم بها”، يبدو كأنه يقرأ من نصٍّ قديم كُتب منذ سنوات طويلة، صاغته ذات العقول التي رأت في السودان دوماً مشكلة أمنية لا قضية سياسية وإنسانية معقدة تستحق الفهم المتوازن.
إنّ ما قاله معالي الوزير لا يمكن اعتباره مجرد توصيف عابر، بل هو موقف سياسي يحمل وزناً وتأثيراً بالغين، لأنه يصدر عن الدولة التي تمسك بمفاتيح التأثير في مجلس الأمن وفي خرائط الحلول المطروحة للأزمة السودانية. لكنّ الخطر الحقيقي ليس في العبارة نفسها، بل في ما توحي به من تبسيطٍ مخلّ وتعويمٍ للمسؤوليات، وكأن الحرب في السودان بدأت بلحظة نكثٍ للعهود، لا بتخطيطٍ واعٍ من جماعات الإسلام السياسي التي أعادت إنتاج نفسها داخل المؤسسة العسكرية.
“الحقيقة أول ضحية في كل حرب.
السيد روبيو
إن السودانيين لا ينتظرون من الولايات المتحدة مديحاً أو تبريراً، بل فهماً عميقاً ومتوازناً لطبيعة الصراع. إن اختزال الكارثة في سلوك طرفٍ واحد يقدّم خدمة مجانية لمن أشعلوا الحرب أصلاً. فالمؤسسة العسكرية السودانية، المخترقة منذ عقودٍ من قبل جماعات الإسلام السياسي، هي التي فجّرت النزاع الحالي لتفادي التحول المدني، ولمنع ولادة دولةٍ ديمقراطية حقيقية. هذه ليست رواية إعلامية، بل حقيقة يعرفها كل من عاش في السودان وراقب مسار الأحداث منذ سقوط نظام البشير وحتى اليوم.
لقد كان الجيش، تحت هيمنة تلك الجماعات، هو من رفض كل المبادرات الوطنية والإقليمية لوقف النار، وهو من أغلق الممرات الإنسانية، ومنع وصول الغذاء والدواء، وواصل القصف العشوائي على المدن، ثم خرج ليتحدث باسم “السيادة الوطنية”. وحين تتجاهل واشنطن هذه الوقائع، فإنها — من حيث لا تدري — تكرّس الظلم التاريخي نفسه الذي جعل من الضحية متهماً ومن الجاني شريكاً في الحكم.
“من يزرع الريح، يحصد العاصفة.”
السيد الوزير إن كلماتكم، مهما كانت نواياها حسنة، تُقرأ في الخرطوم ودارفور وكردفان كرسالة دعمٍ غير مباشرة لمن تسببوا في المأساة. فكل انحيازٍ لفظي أو سياسي يُفسَّر هناك كضوءٍ أخضر للاستمرار في القتال. إنّ الحياد في مثل هذه اللحظات ليس فضيلة سياسية فحسب، بل ضرورة أخلاقية. لأن الانحياز، ولو بكلمة، يُترجم على الأرض إلى قذائف جديدة، ودماء جديدة، وأطفالٍ يُدفنون تحت الركام.
لقد فشلت السياسة الأمريكية في السودان مراراً لأنها اعتمدت على سرديات صيغت في المكاتب لا في الميدان. سردياتٌ استعمارية الطابع، ترى في السودان مساحةً للفوضى لا بلداً ذا سيادة، وتتعامل مع شعوبه كقضايا إنسانية طارئة، لا كشركاء في صناعة مستقبلهم. وهذا ما يجعل صوتكم اليوم، معالي الوزير، مسؤولاً عن إعادة صياغة تلك الرؤية بما يليق بدور الولايات المتحدة كقوةٍ تدّعي الدفاع عن العدالة والحرية.
“الظلم لا يُقاس بما يُرتكب، بل بما يُسكت عنه.”
مارتن لوثر كينغ
السيد ماركو روبيو،
إن توازن الموقف الأمريكي ليس مطلباً سودانياً فحسب، بل هو اختبارٌ لمصداقية واشنطن نفسها أمام العالم. فأنتم تعلمون أن من بدأ الحرب هو من يرفض إنهاءها، وأن من يعيش على الفوضى لا يمكن أن يكون وسيطاً للسلام. لذلك، فإن استمرار خطابكم على هذا النحو سيُفهم كإشارةٍ إلى أن الولايات المتحدة تفضّل الحل العسكري غير المباشر، لا التسوية السياسية الشاملة التي ينتظرها الشعب السوداني.
لقد آن الأوان لأن تنتقل واشنطن من مرحلة التوصيف إلى مرحلة التحليل، ومن الدبلوماسية اللفظية إلى الفعل الأخلاقي. أن تعاقب من يرفض وقف إطلاق النار أياً كان، وأن تدعم من يلتزم بالممرات الإنسانية والحوار السياسي، دون اصطفافٍ أيديولوجي أو حساباتٍ ضيقة. لأن التاريخ لا يرحم من يقف متفرجاً على مأساة كهذه.
“إن طريق الجحيم مفروش بالنوايا الحسنة.”
برنارد شو
إن الشعب السوداني لا يطلب منكم سوى العدالة في النظر والمسؤولية في الكلمة. لأن الكلمة من فم وزير الخارجية الأمريكي ليست رأياً، بل إشارةٌ سياسية تهزّ موازين الحرب والسلام. ولأنّ التاريخ سيكتب — عاجلاً أو آجلاً — من الذي كافأ صُنّاع الحرب، ومن الذي أنصف ضحاياها.




