رأي

مقال الخميس *المليشيات.. الاستنفار.. والتجنيد الإجباري؟!*

دكتور عمر القراي

 

(وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا فَقَالَ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِن شَيْءٍ ۚ قَالُوا لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ ۖ سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ) صدق الله العظيم

د. عمر القراي

(نحن نريد السلام.. لا أحد يرفض السلام ولكن لا يمكن ان نعقد سلام مع عصابة آل دقلو لأنها مليشيا وليست قوة نظامية حتى يتعامل معها الجيش وهو مؤسسة رسمية ثم أنها تمردت على الجيش النظامي وخالفت أوامره وارتكبت جرائم فظيعة ضد المواطنين السودانيين) (حديث أحد الإخوان المسلمين في قروب لمجموعة تتحاور حول موضوع الرباعية ورفضها من جانب الحكومة). والحقيقة هي أن الدعم السريع نشأ عام 2013م كمليشيا، غرضها دعم حكومة الإخوان المسلمين بقيادة المخلوع البشير. ولكن حكومة البشير، حولته الى قوة نظامية، ووضعت له من خلال برلمانها، قانونه في عام 2017م، والذي ينص على أن الدعم السريع قوة نظامية، تتعاون مع القوات المسلحة السودانية. فالدعم السريع إذاً ليس مليشيا. ولقد نص قانون القوات المسلحة، على أن الدعم السريع يخضع للقائد الأعلى للقوات المسلحة. وكان يمكن أن يكون خروجه على الجيش، الآن تمرداً، لولا أن البرهان، قام بتعديل المادة 7 من قانون القوات المسلحة، التي تنص على ذلك. وجعل بذلك الدعم السريع، قوة نظامية، مستقلة تماماً، عن القوات المسلحة، وغير خاضعة لقائدها الأعلى. فخروج الدعم السريع، على أوامر القائد الأعلى الآن، لا تعتبر وفق القانون تمرداً. ولكن لنفترض جدلاً أن الدعم السريع مليشيا، فما هي مشكلة الإخوان المسلمين مع المليشيات؟ هل يكره الإخوان المليشيات؟! لماذا إذاً أنشأوا مليشيا البراء بن مالك – مليشيا المعتصم بالله – مليشيا البنيان المرصوص – مليشيا البرق الخاطف – مليشيا الفجر الساطع – مليشيا الزبير بن العوام – مليشيا الدفاع الشعبي – مليشيا الأمن الشعبي – مليشيا الأمن الطلابي – مليشيا الشرطة الشعبية – مليشيا الشرطة المجتمعية – مليشيا أولاد علي عثمان – مليشيا أولاد البشير – مليشيا أولاد نافع – مليشيا عوض الجاز – مليشيا أحمد هارون – مليشيا علي كرتي – مليشيا صلاح قوش؟ ولماذا يتعاونون الآن مع مليشيات أخرى في حربهم مع الدعم السريع مثل مليشيا كيكل ومليشيات الحركات المسلحة؟ وما مدى صدق القول، بأنهم لن يصالحوا الدعم السريع، لأنه ارتكب انتهاكات وجرائم ضد المواطنين في الفاشر؟ ألم يرتكب كيكل جرائم وانتهاكات في الجزيرة، فلماذا صالحوه، ومدحوه، وقال انه يشبه خالد بن الوليد؟ ألم يرتكب الجيش نفسه، وخاصة الطيران، جرائم فظيعة، فيضرب القرى، والأسواق، والتكايا، والمستشفيات؟ وحين ارتكبت مجموعة من الدعم السريع، جرائم ضد المواطنين، اعترف بها قائدهم، وأدانها، وقبضوا على بعض المجرمين، وهم الآن يحاكمونهم. فلماذا لم نسمع اعتراف، أو اعتذار، أو إدانة، أو التلويح بأي محاكمات، حين قامت مجموعات من الجيش، بقطع الرؤوس، وبقر البطون، والتمثيل بالجثث، واللعب بالجماجم؟! ولماذا تسخّر النيابة والقضاء، لمحاكمة الشرفاء، بتهم ملفقة، مثل التعاون مع الدعم السريع، بدون بينات، ويحكم على الأبرياء، بعقوبات تبلغ حد الإعدام!!

لقد رفض الاخوان المسلمون مقترح الرباعية، بوقف الحرب لهدنة لمدة ثلاثة أشهر. وأعلن الدعم السريع موافقته على الهدنة، وعلى التفاوض من أجل السلام. ولا زال الموقف الرسمي للجيش ضبابياً، تتجاذبه شائعات الموافقة، وشائعات الرفض، وشائعات إملاء شروط تعجيزية مسبقة. في هذه الأثناء، ظهر في الميديا، تجمع لبعض العسكريين، ظهر فيه مناوي، وياسر العطا، وبعض العسكريين الآخرين. وكان مناوي يهتف “كل القوة الفاشر جوة”!! وبعد أن تحدث بتهديدات كاذبة، قال “أقدم لكم زعيم البلابسة زعيم “بل بس” ياسر العطا”!! وتحدث ياسر العطا وهتف ” بل بس ” وقال لو حسبنا حروف “بل بس” بنلقاها أربعة دي الرباعية بتاعتنا!! مثل هذه الأحاديث، وأحاديث البرهان عن استمرار الحرب، حتى يسلم حميدتي نفسه، تدل على غصّة تجرع مرارة الفشل، ومحاولات الترويح عن النفس بخداعها، ومخادعة الآخرين!! ولقد كانت الفاشر محاصرة لمدة 500 يوم، فلماذا لم يذهب مناوي للفاشر “جوة”؟! ولماذا لم يقم العطا، بقيادة الجيش، ليحقق شعار “بل بس”، بدلاً من ترديده على بعد ألف كيلو متر، من ميدان المعركة؟!

أما خارج السودان، فقد أقام الاخوان المسلمون مظاهرة في تركيا، هددوا فيها نثراً وشعراً، دولة الإمارات. وكيف أنهم يمكن أن يهجموا عليها، ويصلوا حتى عجمان!! مع أن منهم من يعيش في دولة الإمارات الآن، فلماذا لم يقوموا بهذا الجهاد، نيابة عن إخوانهم البعيدين عن الإمارات؟! وهؤلاء الشباب، الذين يتظاهرون في تركيا ضد الإمارات، لماذا لا يذهبوا الى السودان، ويقاتلوا مع المدنيين المستنفرين، بدلاً من الفرار من الحرب، والدعوة الى استمرارها، ليموت فيها غيرهم بدلاً عنهم!! إن قيادة الاخوان المسلمين، تعلم أن هذه تهديدات فارغة، وكاذبة، ولكنها تسمح بها، ظناً منها أنها يمكن ان تستفيد من قيمتها الإعلامية، التي تدل على وجودهم، ومقدرتهم على الحشد الجماهيري. وما علموا أنها تصب عليهم، مقتاً متصلاً من الله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ).

لقد بدأت حكومة الأمر الواقع – بعد عجزها عن حسم الحرب التي اشعلتها في أيام معدودات كما ظنت – في الاستنفار للمواطنين، تسلحهم، وتدربهم بعجلة، وتحمسهم بالخطب والشعارات الدينية الكاذبة، ثم تبعثهم مع الجيش لميدان القتال. ولأن الاخوان المسلمين لا يضحون بأموالهم أبداً، لم يستطيعوا إعطاء هؤلاء المستنفرين إلا كفافاً، لا يكاد يقيم أودهم. ثم أخذوا في اغراء الأسر، لتقدم أطفالها لهم، مقابل اعطاءهم بعض المواد التموينية، وحتى هذه لا يشتريها الاخوان المسلمون بأموال الدولة، وإنما يعطوهم اليسير من مواد الإغاثة، التي جاءت لإنقاذهم، ضمن برامج دولية، ومساعدات إقليمية، كان من ضمنها، للمفارقة، مساعدات ضخمة، جاءت من دولة الإمارات، التي يصورها إعلام الاخوان المسلمين، وكأنها عدو السودان الأول!!

على أن ما يعطى للمستنفرين، لا يتناسب مع التضحية التي تطلب منهم، خاصة وإن شعارات “الجيش الوطني”، و”حرب الكرامة”، بدأت تتكشف أمام أعينهم، كل يوم، ويظهر أنها حرب لا هدف لها، إلا إعادة الإخوان المسلمين الى الحكم، مرة أخرى، وهزيمة الثورة التي أطاحت بهم. من أجل ذلك بدأ الاستنفار يضعف، وصيحات الجهاد، من أناس مردوا على الكذب، والفساد، ونهب أموال الشعب، أضحت مبعثاً للسخرية والتهكم.

لقد تحدث الاخوان المسلمون عن ضعف الاستنفار، وعلموا في دخيلة أنفسهم، أن الشعب لا يريد أن يحارب معهم، بل يريد السلام، فهل يتركونه وما يريد؟! كلا!! انتقلوا من اغراء الناس الى إجبارهم.

فقد صدر خطاب استنفار، على ورق مروس باسم القوات المسلحة السودانية -هيئة الأركان: قيادة القوات البرية، قوات الاسناد الخاصة، موجه للسيد والي ولاية الخرطوم. ومما جاء في ذلك الخطاب:

1- ندعو جميع منسوبي مؤسستكم بمختلف الدرجات الوظيفية الى الانخراط في الاستنفار والانضمام الى معسكراتنا وقواتنا المتقدمة للعمليات مع الالتزام التام بمتطلبات التجهيز والتدريب والتفويج للانضمام الى المتحركات لدعم ومساندة القوات المسلحة السودانية -زودا ودفعا بالنفس-والمشاركة المباشرة في العمليات حسب الحاجة.

2- نأمل من حضرتكم تعميم هذا الخطاب رسمياً على جميع الموظفين والعاملين بمؤسستكم وتيسير إجراءات تفريغ الراغبين في الانخراط للالتحاق بالمتطلبات العملياتية مع الاحتفاظ بكامل مخصصاتهم وعلاواتهم خلال فترة التفريغ وضمان إتمام مستحقاتهم عند العودة).

وهذا الخطاب الذي يمثل القوات المسلحة، موقع باسم: المصباح أبوزيد طلحة!! وهو كما يعلم الجميع، قائد مليشيا البراء بن مالك، فمتى أصبح يتكلم باسم القوات المسلحة، ويوجه ولاة الولايات؟! والخطاب لتوجيه موظفي الخدمة المدنية، أن يتركوا وظائفهم، في خدمة متطلبات حياة المواطنين، ويذهبوا للالتحاق بمتحركات الجيش، تصعيداً للحرب، وزيادة المشاركين فيها. ورغم أنه أشار الى رغبة الموظفين في التجنيد، إلا أن ذلك تمويه، لأن حكومة البرهان الآن، عاجزة عن صرف مرتبات المعلمين، والعاملين في مرافق الدولة، وستقوم يصرف مستحقات من يشارك منهم في التجنيد، مما يعني أن هذا التجنيد، وإن بدا اختيارياً، إلا أنه في الحقيقة تجنيد إجباري!! فإذا كانت حكومة البرهان، قد اعتقلت مواطنين لا يعملون في مكاتب الدولة، بحجة أنهم متعاونين مع الدعم السريع، هل يمكن أن تقبل من موظف الدولة، لو قال إنه لا يريد ان يشارك في الحرب ضد الدعم السريع؟! وخطاب الاستنفار ذكر موظفي الدولة بصورة عامة، ولم يحدد عمراً للمجندين. فإذا كان سيشمل من هم في الدرجة الوظيفية العليا، فنحن نتحدث عن اشخاص تجاوزوا الخمسين عاماً من العمر، فهل هؤلاء يتوقع منهم الانتصار لو شاركوا في الحرب؟!

بالإضافة الى ارغام الموظفين، والعمال، بالضغط عليهم من خلال ارزاقهم، فإن حكومة البرهان بدأت حملات اختطاف للمواطنين من الشوارع، وحملهم بالقوة، الى مراكز التدريب، ووضعهم تحت حراسة الجيش، حتى يسوقهم للمعارك. ولقد ذكر بعض المراقبين، ان حملات التجنيد الإجباري، تتقصد مواطنين ذوي أصول عرقية معينة، من أهالي دارفور، كوسيلة للتخلص منهم، أو الاستفادة منهم، للتخلص من الدعم السريع. والانتصار في الحرب، يقتضي الإيمان بمبدأ، وقضية، ويحتاج الى شجاعة، ورغبة وقدرة جسدية، ولا يكفي أن يصاحب بالحشود، والشعارات، وادعاءات الدين والجهاد!! ولكن الإخوان المسلمين ليس هدفهم النصر، بل لعلهم لا يتوقعونه، وإنما هدفهم استمرار الحرب، ليباعدوا ما أمكن، بينهم وبين الحكومة المدنية، التي تحاسبهم على جرائمهم، وتسترد الأموال التي نهبوها من الشعب!!

13 نوفمبر 2025م

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!