
سمية النور دهب
في خضم السجال الإعلامي والسياسي حول الأزمة السودانية، صدر بيان قوات الدعم السريع في 13 نوفمبر 2025، ليشكل وثيقة موضوعية تركز على الحقائق الميدانية ومسؤوليات الأطراف المختلفة، وتضع رؤية واضحة لكيفية الوصول إلى سلام شامل ومستدام. البيان يعكس قراءة متوازنة للأحداث، ويقدّم تصوّراً عملياً لمعالجة جذور الأزمة بعيداً عن السرديات الأحادية التي لطالما شوهت الصورة الحقيقية للأزمة السودانية.
يؤكد البيان أن الحرب المفروضة على السودان من قبل جماعات إسلامية متطرفة ليست حدثاً عابراً، بل امتداد لصراعات قديمة أفضت إلى انتهاكات جسيمة بحق المدنيين، وتدمير البنية التحتية، وتعريض الأمن الإقليمي والدولي للخطر. ويشير بشكل مباشر إلى دور الجيش المنتمي للحركة الإسلامية في استمرار النزاع، مشيراً إلى رفضه المتكرر المشاركة في المبادرات الدولية لوقف القتال، بما فيها مبادرة دول الرباعية ومشروع الهدنة الإنسانية، بينما استجابت قوات الدعم السريع لهذه المبادرات منذ 9 نوفمبر 2025، مؤكدة التزامها بوقف التصعيد.
أحد أبرز محاور البيان هو التركيز على البعد الإنساني للحرب. القوات أكدت على التزامها بحماية المدنيين وفتح الممرات الإنسانية وتسهيل وصول الإغاثات، وتشكيل لجان للتحقيق في المزاعم المتعلقة بالانتهاكات. كما تم إنشاء لجنة نزع الألغام ولجنة إنسانية لتقديم المساعدات الطارئة، وهو ما يظهر مستوى عالٍ من المسؤولية الوطنية والإنسانية، ويؤكد أن القوات لا تركز على العمليات العسكرية فقط، بل تولي أولوية للحياة المدنية وتقليل معاناة المواطنين.
ويحمل البيان الرسالة نفسها للمجتمع الدولي، داعياً إلى التمسك بالحياد والتحقق من المعلومات قبل إصدار الأحكام، وضرورة إجراء تحقيق مستقل وشفاف في الانتهاكات، ومحاسبة المسؤولين بغض النظر عن انتماءاتهم. هذا التوجه يعكس وعي القوات بدور المؤسسات الدولية في تحقيق السلام، ويؤكد أن أي حلول دون الاعتراف بالحقائق الميدانية ستكون ناقصة وغير فعالة.
البيان يوضح أيضاً موقف قوات الدعم السريع من الدعم الخارجي والتدخلات الإقليمية، مؤكداً أنها لا تتلقى أي دعم من جهات خارجية، وأن الجهات التي يجب مراقبتها وإيقاف تسليحها هي الحركة الإسلامية وجيشها، إضافة إلى التدخلات الإقليمية من بعض الدول والمنظمات. هذا الوضوح يعكس قراءة شاملة للبعد الدولي والإقليمي للصراع، ويبرز الحاجة إلى محاسبة الأطراف المسؤولة عن استمرار النزاع بشكل متوازن وعادل.
من جانب آخر، يتناول البيان حقيقة أن مزاعم الانتهاكات في بعض المناطق مثل الفاشر ليست ممنهجة، وأن قوات الدعم السريع اتخذت خطوات فعّالة للتحقق منها، شملت القبض على بعض الأفراد المشتبه في ارتكابهم انتهاكات بحق المدنيين، بالإضافة إلى دعوة المنظمات الإنسانية لتقديم المساعدات، وفتح الممرات الإنسانية للمدنيين الراغبين في مغادرة المناطق الساخنة، مع ضمان حرية الاختيار لمن يرغب في البقاء.
ويؤكد البيان موقف القوات من سياسة الكيل بمكيالين، التي تنتهجها بعض الأطراف الدولية، مشدداً على ضرورة الاعتماد على مصادر متعددة وموثوقة قبل إصدار أي بيانات أو أحكام. كما يؤكد البيان أن تصريحات محددة قد أساءت تصوير موقف القوات، في حين أنها تعاطت بشكل إيجابي مع جهود وقف الحرب، بما يسهم في استقرار السودان والأمن الإقليمي والدولي.
في المجمل، يقدم بيان قوات الدعم السريع قراءة متوازنة وموثوقة للواقع السوداني، مع التركيز على الحلول العملية لإنهاء الحرب وحماية المدنيين وتعزيز السلام. إنه يضع الحقائق الميدانية في صلب النقاش، ويحدد المسؤوليات بوضوح، مع التركيز على أهمية احترام المبادرات الدولية، ودعم جهود السلام العادلة، ومحاسبة الأطراف المسؤولة عن العنف والانتهاكات.
البيان يبرز أن الطريق إلى السلام لا يمر عبر تصنيف طرف على حساب آخر أو عبر سرديات متحيزة، بل يتطلب التزاماً وطنياً وإنسانياً، واعترافاً بالحقائق على الأرض، وتحركاً دولياً متوازناً يدعم إنهاء النزاع وإعادة بناء الدولة على أسس العدالة والمساواة.
في ظل استمرار الأزمة، يمثل هذا البيان نموذجاً للنزاهة والشفافية في قراءة الوضع السوداني، ويؤكد أن قوات الدعم السريع تعمل وفق رؤية واضحة ومسؤولة لإيقاف الحرب، ودعم الأمن، وحماية المدنيين، والمساهمة في بناء سودان جديد مستقر وسلمي.




