
سمية النور دهب
حين تنتصر الحكمة على الفرقة، تستعيد الأوطان ذاكرتها الجميلة
لم تكن مبادرة سلطنة دارفور بتوزيع السيارات على الإدارات الأهلية مجرد خطوة إدارية عابرة أو دعماً لوجستياً محدود الأثر، بل مثلت في جوهرها رسالة سياسية ومجتمعية عميقة تؤكد أن دارفور ما تزال قادرة على استعادة روحها التاريخية التي قامت على التسامح والتعايش والتكافل بين مكوناتها المختلفة.
لقد أدرك السلطان أحمد علي دينار، بوعي سياسي واجتماعي متقدم، أن الحرب لم تدمر القرى والمدن وحدها، وإنما حاولت أن تضرب البنية الأخلاقية والاجتماعية التي ظلت تحفظ الإقليم لعقود طويلة. فدارفور التي عرفها السودانيون أرضاً للتصالح والتسامح والعيش المشترك، تعرضت خلال السنوات الماضية لمحاولات ممنهجة لإعادة تشكيل وعيها الاجتماعي عبر سياسات المركز القابض الذي اعتمد على صناعة الانقسامات وإدارة الأزمات بسياسة “فرق تسد”، وهي السياسة التي عمّقت الشروخ الاجتماعية وزرعت الشكوك بين المجتمعات المحلية.
ومن هنا تأتي أهمية هذه المبادرة الاستثنائية التي أطلقتها سلطنة دارفور، لأنها تعيد الاعتبار لمؤسسة الإدارة الأهلية بوصفها صمام أمان المجتمع وحائط الصد الأول أمام الفتن والنزاعات والانقسامات. فالإدارة الأهلية ليست مجرد هياكل تقليدية، وإنما تمثل ذاكرة المجتمع وقيمه وأعرافه ونظامه الأخلاقي الذي حافظ لسنوات طويلة على التوازن الاجتماعي في الإقليم.
إن توفير وسائل الحركة والدعم لقيادات الإدارة الأهلية يعني عملياً إعادة تنشيط أدوات المصالحات المجتمعية، وتمكين القيادات المحلية من الوصول إلى مناطق النزاعات والتدخل السريع لاحتواء الأزمات قبل تفاقمها. كما أن هذه الخطوة تعزز من حضور خطاب السلام في مجتمع أنهكته الحرب والاستقطابات السياسية والتعبئة القائمة على الكراهية والانقسام.
والحقيقة التي لا يمكن تجاوزها أن دارفور اليوم بحاجة إلى مبادرات من هذا النوع أكثر من أي وقت مضى، لأنها تلامس جذور الأزمة لا مظاهرها فقط. فالقضية لم تعد قضية خدمات أو مساعدات آنية فحسب، بل أصبحت معركة لإعادة ترميم الثقة بين المجتمعات وإحياء قيم التسامح والتعايش التي حاولت قوى الهيمنة المركزية طمسها عبر عقود طويلة من الإقصاء والاستغلال السياسي للنزاعات الاجتماعية.
التحية للسلطان أحمد علي دينار على هذا الدور المتعاظم والموقف المسؤول الذي يعكس فهماً عميقاً لتعقيدات المرحلة الراهنة. فما قام به ليس مجرد دعم للإدارات الأهلية، بل مساهمة مباشرة في إعادة بناء السلم المجتمعي وتهيئة البيئة الاجتماعية لمستقبل أكثر استقراراً وتماسكاً.
وفي هذا التوقيت الدقيق الذي يمر به السودان، تبدو مثل هذه المبادرات أكثر ارتباطاً بمشروع تحالف السودان التأسيسي، الذي يرفع شعارات بناء سودان جديد قائم على العدالة والتوازن والاعتراف بالتنوع الاجتماعي والثقافي بعيداً عن هيمنة المركز القديم وسياساته التي قادت البلاد إلى الانقسام والحروب.
إن دارفور لن تعود بقوة السلاح وحدها، وإنما تعود حين تستعيد مجتمعاتها ثقتها ببعضها البعض، وحين ينتصر صوت الحكماء على دعاة الكراهية والتمزيق. وهذا بالضبط ما تفعله مبادرات السلطان أحمد علي دينار؛ فهي تعيد للإقليم روحه القديمة، وتفتح باباً واسعاً أمام مشروع سلام اجتماعي حقيقي يبدأ من الناس وينتهي بوطن أكثر عدلاً وإنسانية.




