
نجوي بابو
في السودان، لم تعد الأزمة مجرد تنافس على السلطة، بل أصبحت أزمة معنى: ما الدولة؟ ومن يخدم من؟ وهل وُجدت السياسة لخدمة الإنسان أم لتحويله إلى تابع داخل صراع دائم بين النخب والقوى المسلحة والأحزاب التقليدية؟ هذه الأسئلة لم تعد ترفًا فكريًا، بل ضرورة وطنية في بلد أنهكته الحروب والانقلابات والانقسامات حتى أصبح المواطن يشعر بأن الدولة بعيدة عنه، وأن السياسة تُدار فوق رأسه لا باسمه.
لقد ورث السودان منذ الاستقلال بنية سياسية مضطربة، تعاقبت عليها الحكومات المدنية والانقلابات العسكرية، لكن النتيجة ظلت واحدة: غياب المشروع الوطني الجامع. الأحزاب السياسية، التي كان يُفترض أن تكون مؤسسات لتنظيم الإرادة الشعبية، تحولت في كثير من الأحيان إلى كيانات مغلقة تدور حول الزعامة والطائفة والتاريخ أكثر مما تدور حول البرامج والرؤية المستقبلية. ومع كل أزمة، كانت النخب تعيد إنتاج الصراع ذاته بأسماء جديدة وخطابات مختلفة، بينما يبقى المواطن السوداني عالقًا بين الفقر والخوف وفقدان الأمل.
في السودان، لم تكن المأساة يومًا في غياب الموارد أو ضعف الإمكانات البشرية، بل في الطريقة التي أُدير بها الوطن كغنيمة سياسية لا كمشروع دولة. وحين تتحول الدولة إلى غنيمة، تصبح السلطة هدفًا للسيطرة لا مسؤولية للخدمة، وتدخل النخب في صراع دائم حول من يملك البلاد بدل أن تتنافس حول من يبنيها. عندها يفقد المواطن ثقته في السياسة، لأن ما يراه ليس مؤسسات تعمل لأجله، بل قوى تتنازع فوق أنقاض أحلامه اليومية.
لقد دفعت الأجيال السودانية ثمن هذه المعادلة القاسية؛ فكل انقلاب كان يعد بالخلاص، وكل حكومة مدنية كانت تعد بالديمقراطية، لكن الحلقة ظلت تدور بين الاستبداد والفوضى، وبين الشعارات الكبيرة والواقع المنهك. والسبب أن جوهر الأزمة بقي دون علاج: غياب العقد الوطني الذي يجعل الدولة ملكًا لجميع السودانيين لا امتيازًا تحتكره جماعة أو حزب أو قوة مسلحة.
المشكلة الكبرى في التجربة السياسية السودانية أن السلطة غالبًا ما فُهمت باعتبارها غاية، لا وسيلة. ولهذا أصبح الوصول إلى الحكم أهم من بناء الدولة، وأصبح الولاء السياسي مقدَّمًا على الكفاءة، والانتماء الضيق أقوى من فكرة المواطنة. وحين تغيب المواطنة، تتحول القبيلة والجهة والسلاح إلى بدائل للدولة، ويصبح الوطن ساحة تنازع بدل أن يكون إطارًا جامعًا للجميع.
السودان لا يحتاج اليوم إلى مجرد تسوية سياسية مؤقتة، بل إلى إعادة تعريف كاملة لفكرة الحكم نفسها. فالدولة الحديثة لا تُقاس بقدرتها على السيطرة، بل بقدرتها على تحقيق العدالة وحماية الكرامة الإنسانية. والسلطة التي تخاف من شعبها ليست دولة مستقرة، بل سلطة قلقة تؤجل انفجار الأزمة ولا تحلها. لهذا فإن أي مشروع وطني حقيقي يجب أن يبدأ من الاعتراف بأن الشعب ليس تابعًا للنخب، بل مصدر الشرعية الوحيد.
إن إعادة بناء السياسة في السودان تقتضي أولًا تحرير الأحزاب من أمراضها التاريخية. الحزب السياسي لا ينبغي أن يكون ملكية خاصة لزعيم أو عائلة أو جماعة مغلقة، بل مؤسسة عامة تُحاسَب كما تُحاسَب الدولة نفسها. قيمة الحزب لا تُقاس بعدد الشعارات التي يرفعها، بل بقدرته على تحسين حياة الناس، وبمدى التزامه بالديمقراطية داخل مؤسساته قبل أن يطالب بها في الدولة.
كما أن مستقبل السودان لن يُبنى عبر عسكرة المجتمع أو تحويل الخلافات السياسية إلى صراعات وجودية. فالدولة التي تتعدد فيها مراكز القوة المسلحة تفقد تدريجيًا احتكارها للشرعية، ويتحول القانون إلى مجرد رأي قابل للفرض بالقوة. ولهذا فإن بناء جيش وطني مهني بعيد عن الاستقطاب السياسي ليس قضية أمنية فقط، بل شرط أساسي لبقاء الدولة نفسها.
وفي جوهر الأزمة السودانية أيضًا تكمن مسألة العدالة. لا يمكن لأي مجتمع أن يتجاوز ماضيه من دون مواجهة الحقيقة. فالسلام الذي يقوم على النسيان المؤقت سلام هش، أما السلام الحقيقي فيحتاج إلى عدالة تعترف بالضحايا، وتحاسب المسؤولين، وتفتح المجال لمصالحة وطنية قائمة على الصراحة لا الإنكار. فالأمم لا تتقدم حين تخفي جراحها، بل حين تمتلك شجاعة النظر إليها ومعالجتها.
إن أخطر ما يهدد الأوطان ليس الفقر وحده، بل اعتياد الأزمات حتى تصبح جزءًا من الحياة اليومية. فحين يكبر جيل كامل وسط الحرب والانقسام وانعدام الثقة، تتآكل فكرة الوطن نفسها، ويصبح الانتماء للقبيلة أو السلاح أو الجهة أكثر حضورًا من الانتماء للدولة. وهذه هي اللحظة التي تتحول فيها السياسة من أداة لبناء المستقبل إلى قوة تدفع المجتمع نحو التفكك البطيء.
ومع ذلك، فإن السودان ما يزال قادرًا على النهوض، لأن الشعوب لا تُقاس فقط بحجم مآسيها، بل بقدرتها على تجاوزها. وما يحتاجه السودانيون اليوم ليس إعادة تدوير النخب القديمة بخطابات جديدة، بل تأسيس وعي سياسي مختلف، يرى في المواطن أساس الشرعية، وفي العدالة شرط الاستقرار، وفي التنوع مصدر قوة لا سببًا للصراع. فالدول لا تُبنى بالخوف، بل بالثقة، ولا تستقر بالقوة المجردة، بل بإحساس الناس أن هذا الوطن يتسع لهم جميعًا.
ولهذا فإن المعركة الحقيقية في السودان ليست معركة أشخاص أو أحزاب فقط، بل معركة بين فكرتين: فكرة ترى الدولة غنيمة تُقسم بين الأقوياء، وفكرة ترى الدولة مسؤولية أخلاقية تجاه الشعب والتاريخ والمستقبل. وبين الفكرتين يتحدد مصير وطن بأكمله.
وربما يكون التحدي الأهم أمام السودان اليوم هو الانتقال من مفهوم “الدولة المسيطرة إلى “الدولة الخادمة . فالدولة ليست جهازًا فوق المجتمع، بل عقدًا أخلاقيًا بين المواطنين والمؤسسات. وكلما شعر المواطن بأن الدولة تحمي حقوقه وتمنحه فرصًا متساوية، تراجعت الانقسامات الضيقة لصالح الانتماء الوطني الأوسع.
إن السودان، رغم كل أزماته، ما يزال يمتلك فرصة تاريخية لإعادة تأسيس نفسه. فالشعوب التي مرت بحروب وانقسامات أكبر استطاعت أن تنهض حين أدركت أن المستقبل لا يُبنى بالثأر، بل بالتوافق على قواعد عادلة للجميع. وما يحتاجه السودانيون اليوم ليس بطلًا جديدًا ولا خطابًا عاطفيًا آخر، بل مشروع دولة حديثة تُدار بالقانون والكفاءة والشفافية.
في النهاية، لا تُقاس عظمة الأوطان بعدد الجيوش ولا بحجم الشعارات، بل بقدرتها على حماية الإنسان العادي: حقه في الحياة، وفي الحرية، وفي الكرامة. وحين تصبح السياسة في السودان خدمةً للمواطن لا صراعًا عليه، يمكن عندها فقط أن يبدأ الوطن بالخروج من دوامة التاريخ إلى أفق الدولة التي يستحقها شعبه.




