كتاب الهيمنة المصرية على السودان: الصيحة الأخيرة قبل الابتلاع… قراءة في مشروع نقدي يعيد تشكيل الوعي السياسي السوداني
ابو عبدالله الراشدي

أبوعبدالله الراشدي
يشكّل كتاب الهيمنة المصرية على السودان: الصيحة الأخيرة قبل الابتلاع للباحث والمفكر والسياسي الدكتور النور حمد، واحداً من أكثر الكتب إثارة للجدل في المشهد الفكري السوداني الحديث، ليس لأنه يخوض في ملف شديد الحساسية فحسب، بل لأنه يقدّم قراءة نقدية غير مسبوقة للعلاقة بين السودان ومصر، قراءة تكسر جدران الصمت الطويل، وتعيد طرح الأسئلة المؤجلة منذ عقود. فالكاتب لا يتعامل مع الهيمنة بوصفها حدثاً عابراً أو موقفاً سياسياً طارئاً، بل كمنظومة ممتدة الجذور، لم تكتمل فصولها بعد، بل تتجدد بصيغٍ وأساليب مختلفة في كل حقبة.
في هذا الكتاب، يتجاوز الدكتور النور حمد التوصيف المألوف لعلاقة البلدين، لينفذ إلى جوهر الإشكالية: قبول النخبة السودانية، في مراحل حاسمة من التاريخ، بالأطر التي رسمتها القاهرة، إما بدافع الوهم الثقافي، أو العجز السياسي، أو بفعل اختلال موازين القوة. ويمضي الكاتب في تفكيك هذا القبول، كاشفاً عن السبب الأعمق: غياب المشروع الوطني السوداني المستقل، القادر على مقاومة سطوة الجار الشمالي، وعلى بناء دولة ذات سيادة حقيقية.
أهمية الكتاب لا تكمن فقط في أنه يفتّش في حقول ملغومة، بل في الطريقة التي يعالج بها هذا الملف. فالدكتور النور يقدم قراءة جذرية، تستند إلى خلفية فكرية واسعة، وإلى وعي نقدي لا يتردد في محاسبة الذات السودانية قبل اتهام الآخر. فهو يرى أن الهيمنة المصرية ما كانت لتترسخ لولا هشاشة البنية السياسية السودانية، وتشتت نخبها، وافتقارها لمشروع ينهض على الإرادة الوطنية. وفي هذا السياق يتعامل الكتاب مع القاهرة بوصفها طرفاً يسعى إلى حماية مصالحه، لكن الخلل الأكبر –كما يشير– كان دوماً في الخرطوم، وفي قدرتها المحدودة على حماية مصالحها هي.
واحدة من أهم ميزات هذا العمل أنه لا ينزلق إلى خطاب العداء، ولا يوظّف اللغة التحريضية التي تطغى عادة على مثل هذه الملفات. بل إنه يطرح نقداً عميقاً ومحكماً، هدفه إصلاح العلاقة لا هدمها. فالنور حمد يرى أن مستقبل البلدين يمكن أن يبنى على علاقة متوازنة، ندّية، واضحة الحدود، تقوم على احترام السيادة والمصالح المشتركة، لا على الوصاية ولا على الامتداد الإمبراطوري الذي ظل يؤطر الموقف المصري تجاه السودان لسنوات طويلة. وهو بذلك يفصل بين نقد الهيمنة ونقد الدولة المصرية ذاتها، وبين مقاومة الأطماع وبناء شراكة ممكنة.
في هذا الإطار، يلفت الكتاب النظر إلى أن الهيمنة لم تكن مجرد علاقات دولة بدولة، بل منظومة كاملة تشمل الإعلام، والتعليم، والتاريخ الرسمي، والتبادل الاقتصادي غير المتكافئ، وإنتاج سرديات ثقافية ظلّت تُسقط على السودان صورة الجزء، لا الشريك. ويكشف الكاتب، عبر تحليل تاريخي دقيق، كيف نجحت القاهرة في تثبيت هذه السرديات في المخيال العربي، وكيف ساهمت النخب السودانية في تكريسها عن غير وعي. وهنا تكمن قيمة الكتاب: إنه يقدم أول مراجعة فكرية شاملة لهذه السرديات، ويطالب بإعادة بناء الوعي السياسي السوداني على أسس جديدة.
ولا يتوقف النور حمد عند الماضي، بل يربط تحليله بالواقع الراهن، مشيراً إلى أن اللحظة الحالية تمثل الفرصة الأخيرة التي يمتلكها السودان قبل أن يفقد ما تبقى من استقلاله الجيوسياسي. فالحرب الدائرة، والانهيار المؤسسي، وضعف القرار الوطني، كلها عوامل تفتح الباب أمام مزيد من التغلغل المصري السياسي والأمني والاقتصادي. ولذا يتعامل الكتاب مع الهيمنة بوصفها مشروعاً لا يزال يتفاعل، لا ظاهرة مكتملة انتهى فصلها.
ولكن، رغم حدّة التشخيص، يقدم الكتاب أملاً في إمكانية إصلاح العلاقة، شرط أن يبني السودانيون مشروعاً وطنياً مستقلاً، قائماً على إرادة سياسية صلبة، وعلى فهم واضح لمصالح البلاد الإستراتيجية. وهذا يتطلب، كما يرى النور حمد، ثورة في التفكير قبل أي تغيير في السياسات. ولعل أعظم رسالة يحملها الكتاب هي أنه لا يمكن لأي دولة أن تحترمك ما لم تحترم أنت نفسك، ولا يمكن لأي شراكة أن تقوم ما لم تُبنَ على توازن حقيقي في القوة والإرادة.
ولأن الكتاب يواجه صمتاً طويلاً، فإنه يعيد الاعتبار لدور المثقف السوداني في نقد مراكز القوة، وفي كشف ما كان مسكوتاً عنه، وفي الدفاع عن سيادة البلاد بلا مساومة. يقول أحد الحكماء: “الوعي الذي لا يوقظ أمته، يظل وعياً ناقصاً”. ويضيف آخر: “من يتهيب صعود الجبال، يعش أبد الدهر بين الحفر”. بينما يلخّص قول ثالث جوهر الكتاب: “لا حرية لأمة تخشى النظر في مرآتها”.
بهذا المعنى، يصبح كتاب الهيمنة المصرية على السودان: الصيحة الأخيرة قبل الابتلاع ليس مجرد دراسة سياسية، بل عملاً تأسيسياً في بناء وعي جديد، وصرخة معرفية في وجه التواطؤ والصمت، ومحاولة شجاعة لانتشال السودان من حافة الارتهان الدائم. إنه كتاب يطالب السودانيين بأن يعيدوا النظر في تاريخهم، وفي علاقاتهم الإقليمية، وفي القوة الكامنة داخلهم، قبل أن تكتب الجغرافيا مصيرهم بدلاً من إرادتهم.
وهو، في اللحظة الراهنة، ليس مجرد كتاب جديد في المكتبة السودانية، بل خطوة في مسار طويل لاستعادة السودان لذاته، ولن يكون الأخير ما دام هناك من يكتب بجرأة النور حمد، ويرفع صوت الحقيقة في وجه الهيمنة، أيّاً كان مصدرها.




