
نجم الدين دريسة
يبدو أن إيقاع حكومة التأسيس يسير حتى الآن ببطءٍ لا ينسجم مع جسامة اللحظة ولا مع حجم التحديات التي تواجه البلاد في منعطفٍ تاريخي يحتاج إلى قرارات سريعة، ورؤية واضحة، وإرادة لا ترتجف أمام تعقيدات الواقع السياسي والاقتصادي والأمني. فمنذ الإعلان عن هذه الحكومة وما زالت تسير بخطى متثاقلة، بينما تتسارع التحديات على الأرض بوتيرة أكثر حدة مما يمكن انتظاره أو التغاضي عنه، خاصة لدى مجتمعات الهامش التي ترى في حكومة التأسيس آخر نافذة أمل لإعادة صياغة الدولة بطريقة عادلة ومسؤولة.
كان من المفترض أن تُحسم الأسئلة النظرية والمفاهيمية قبل تشكيل الحكومة: شكلها، هياكلها، أولوياتها، وبرنامجها التنفيذي. كان المتوقع أن تصل لحظة الإعلان عنها وقد اكتملت أمامها الصورة الشاملة لمسار العمل العام، بحيث ينطلق الجهد التنفيذي مباشرةً دون تردد أو انتظار أو مراجعات متأخرة. لكن ما حدث أن الحكومة خرجت إلى العلن وما تزال تبحث عن تشكيل ذاتها، وتفسير رسالتها، وتحديد اتجاه بوصلة عملها، وكأنها ما زالت في طور المخاض الأولي لا في مرحلة الأداء الفعلي.
وفي الوقت الذي تتراكم فيه أزمات الاقتصاد وتتعقد فيه مسارات الأمن، ينتظر الناس من الحكومة أن تخاطب الداخل والخارج بخطاب دولة ناهضة تتعامل مع العالم وفق رؤية استراتيجية لا باعتبارها كياناً يبحث عن العون فحسب. العالم يريد أن يسمع لماذا تشكلت هذه الحكومة، وما هي رسالتها، وكيف ستدير موارد البلاد، وما الأهداف الكبرى التي تسعى لتحقيقها. هذه هي اللغة التي تصنع الثقة وتفتح مسارات التعاون، لا لغة الانتظار ولا وعود الغد المفتوح على المجهول.
والحكومة اليوم لا تمتلك رفاهية الاعتماد على الدعم الخارجي أو انتظار المعونات؛ فهذه إحدى أكبر المخاطر التي تهدد مشروعها في مهده، لأن الأمم التي تربط نهضتها بالآخر تظل دائماً رهينة تقلبات الخارج واشتراطاته ومزاجه السياسي. بينما تمتلك البلاد اليوم قاعدة واسعة من الموارد والثروات التي تجعلها قادرة على النهوض لو أحسنت إدارتها وحوكمتها، وهو ما يجعل الرهان الحقيقي على الداخل لا على الخارج، وعلى إرادة الدولة لا على تنازلاتها.
الناس اليوم خاصة في مناطق الهامش لا ينتظرون خطاباً تجميلياً ولا بيانات مطولة، بل يريدون رؤية نتائج ملموسة وتحولات حقيقية في طريقة إدارة الدولة. يريدون أن يسمعوا أن حكومة التأسيس لا تكتفي بوصف الواقع بل تعمل على تغييره، وأنها لا تتعامل مع موارد البلاد بوصفها أرقاماً على الورق بل كأدوات لبناء دولة قادرة مستقلة تستند إلى قدراتها الذاتية قبل أي شيء.
إن الوقت يمر، والبلاد بحاجة إلى حكومة تتحرك بسرعة، لا حكومة تمضي بإيقاع السلحفاة بينما تتسارع الأحداث من حولها. مشروع التأسيس ليس ترفاً فكرياً ولا برنامجاً تجريبياً، بل لحظة وجودية للدولة السودانية نفسها، فإن أحسنت الإمساك بها تحولت إلى نقطة الانطلاق، وإن تراخت عنها فإن ثمن ذلك سيكون مضاعفاً.
حكومة التأسيس مطالبة اليوم بأن تتحرر من بطئها، وأن تتحول من مرحلة الرؤية إلى مرحلة الفعل، ومن مرحلة الوعود إلى مرحلة النتائج. فالتاريخ لا ينتظر المترددين، والشعوب التي أحاط بها الألم من كل جانب لم تعد تقبل مزيداً من التأجيل. والمستقبل لن يُمنح إلا لمن يجرؤ على اللحاق به قبل أن يفلت من يديه.




