رأي

الذهب الأحمر.. صناعة اللحوم بوابة السيادة الاقتصادية والسلام

نجوي بابو

 

نجوي بابو 

الثروة الحيوانية ليست مجرد قطاع إنتاجي في غرب السودان، بل تمثل أحد أعظم الأصول الاستراتيجية القادرة على إعادة تشكيل الاقتصاد الوطني وبناء قاعدة تنموية مستدامة. وإذا كان النفط قد صنع نهضة دول عديدة، فإن “الذهب الأحمر” يمتلك المقومات ذاتها، وربما يتجاوزها، باعتباره مورداً متجدداً يربط بين الإنتاج والصناعة والتجارة والاستقرار الاجتماعي. غير أن المفارقة التي رافقت هذا القطاع لعقود تمثلت في استمرار تصدير الماشية الحية، بما يحرم البلاد من معظم القيمة الاقتصادية المضافة، ويجعلها رهينة لتقلبات الأسواق وقيود الاستيراد والمخاطر الصحية.

إن التحول نحو إنشاء مسالخ حديثة ومجمعات صناعية متكاملة في مناطق الإنتاج بغرب السودان يمثل نقلة استراتيجية في فلسفة إدارة الموارد الوطنية. فالقضية لم تعد مرتبطة ببيع الحيوان الخام، وإنما ببناء صناعة متكاملة تبدأ من المراعي وتنتهي بمنتجات عالية الجودة قادرة على المنافسة في الأسواق الإقليمية والعالمية. ومن هنا تبرز أهمية إنشاء مجمعات متطورة في نيالا والضعين والنهود، مزودة بأحدث تقنيات الذبح والتجهيز والتبريد وسلاسل النقل الحديثة، بما يضمن المحافظة على جودة المنتج وتقليل الفاقد وتعظيم العائدات.

ولا تقتصر القيمة الاقتصادية لهذا المشروع على تصدير اللحوم المبردة والمجمدة، بل تمتد إلى تأسيس صناعات تحويلية متكاملة تستثمر كل مكونات الثروة الحيوانية، بدءاً من الجلود ومشتقاتها، مروراً بالأسمدة العضوية والأعلاف، وصولاً إلى الصناعات الغذائية والدوائية المرتبطة بهذا القطاع. وبهذه المقاربة يتحول المورد الحيواني من نشاط تقليدي محدود إلى منظومة إنتاجية متكاملة قادرة على خلق عشرات الآلاف من فرص العمل، وتنشيط الاقتصاد المحلي، وزيادة حصيلة النقد الأجنبي، وتعزيز الاستقرار المالي للدولة.

غير أن نجاح هذا التحول الصناعي يظل مرهوناً ببناء منظومة رقابية حديثة تستند إلى أعلى المعايير البيطرية والقانونية. فالتوسع في إنشاء المحاجر البيطرية الذكية، واعتماد الفحوصات المخبرية المتقدمة، وتطبيق أنظمة التتبع الإلكتروني للماشية منذ خروجها من المراعي وحتى وصولها إلى الأسواق الخارجية، يمثل ضمانة حقيقية لتعزيز ثقة الدول المستوردة ورفع تنافسية الصادرات السودانية. كما أن اعتماد نظم الدفع الإلكتروني داخل المحاجر والمسالخ يسهم في تعزيز الشفافية، وإغلاق منافذ الفساد، وضمان وصول الإيرادات إلى الخزينة العامة بكفاءة.

ويتجاوز أثر هذا المشروع حدوده الاقتصادية ليصبح ركيزة أساسية لتحقيق السلام والاستقرار الاجتماعي. فالعديد من النزاعات التي شهدتها مناطق الرعي والزراعة ارتبطت تاريخياً بالتنافس على الموارد الطبيعية، ولا سيما المياه والمراعي ومسارات حركة القطعان. وعندما ترتبط منظومة الإنتاج بعقود شراء مستقرة، وتتوافر الأعلاف الحديثة، وتُنظم المسارات الرعوية، وتُدار الموارد وفق رؤية تنموية متوازنة، فإن دوافع الصراع تتراجع تدريجياً لتحل محلها المصالح الاقتصادية المشتركة بين الرعاة والمزارعين.

ومن هنا فإن الاستثمار في صناعة اللحوم لا ينبغي النظر إليه بوصفه مشروعاً اقتصادياً فحسب، بل باعتباره مشروعاً وطنياً لإعادة بناء الدولة من بوابة التنمية. فالاقتصادات القوية لا تقوم على تصدير المواد الخام، وإنما على تصنيعها وتعظيم قيمتها المضافة، والدول التي تنجح في تحويل مواردها الطبيعية إلى صناعات حديثة هي الأكثر قدرة على تحقيق الاستقرار السياسي والاجتماعي.

إن السلام المستدام لا تصنعه الاتفاقيات وحدها، بل تصنعه أيضاً المصانع، والمسالخ، وسلاسل الإنتاج، والبنية التحتية، والمؤسسات الاقتصادية القادرة على توفير فرص العمل وتحقيق العدالة التنموية. ولذلك فإن تطوير قطاع الثروة الحيوانية يمثل استثماراً مباشراً في مستقبل السودان، وخطوة جوهرية نحو ترسيخ السيادة الاقتصادية، وتحويل الموارد الوطنية إلى قوة إنتاجية تدعم الاستقرار، وتؤسس لنهضة تنموية شاملة تعود بالنفع على جميع المواطنين.

نجوى بابو

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!