
أ.حسن القاسم
لا تَكُن مُحايِدًا في هذهِ اللَّحظةِ وتَخونَ الزَّمَن، هؤلاءِ القومُ يُريدون أن يَأخُذوا حَقَّهُم من الحياةِ عُنوةً، ويَبقَى ثَمَنُ ما قَدَّموهُ من تَضحياتٍ ودِماءٍ عزيزًا على النسيانِ، ولو كان ما ضَحَّوا لأجلِهِ مُستغرَبًا، فَهِيَ أرضٌ مَفتوحةٌ يَحِقُّ لأيِّ إنسانٍ العيشُ عليها كما يَجِبُ أن يكونَ.
اُكتُبْ تفاصيلَ هذهِ السنينِ من هذهِ المعرَكةِ كمِثلِها من تلكَ التي كُتِبَت وأضافَ عليها الكاتبُ من مِدادِ التزويرِ والتلفيقِ، اُكتُبْ هذا الحدثَ الواقعيَّ كما هو.
الإقدامُ في هذهِ المعرَكةِ بهذهِ الثوابتِ هو ما يُمنِحُها قُدسيتَها، وهو ما يجعلُها صامدةً في وجهِ الزَّمَن، والمَسؤوليةُ الجسيمةُ تقعُ على كَتِفِ المؤرخين، لن يَشفَعَ لهم الجيلُ القادمُ دونَ أن يُوَثِّقوا هذا التاريخَ ويكتبوه على صفحاتِ الذكرى دونَ تزييفٍ.
تَتالى الأيامُ، وكلُّ الأحداثِ تذهبُ جُفاءً، ولا ذِكرى واحدةٌ تَـمكُثُ في الأرضِ غيرُ تلكَ التي تُكتبُ على الورقِ بإحساسٍ حقيقيٍّ ومُعاشٍ. وَثِّقوا هذهِ اللحظاتِ المفصليةَ قبل أن تُصبِحَ رملًا يَتَسَرَّبُ من بينِ أصابعِنا. قد تتبدَّلُ ملامِحُ هذهِ البلادِ بعدَ فترةٍ من الزَّمَن، ويَمضي وقتٌ، لكنْ لا غُبارَ سَيَمحُو هذهِ البطولاتِ التي وضعَها الشبابُ على ظُهورِ التاتشرات.
ذلكَ الغَدرُ الذي تمَّ في فجرِ السبتِ في شوارعِ الخرطومِ، وتَركيعُ هؤلاءِ الصبيةِ لطائراتِ السوخوي بالكلاشنكوفِ مُقابِلَ عزَّتِهم وكِبريائِهم. أَفواجُ مُتَحَرِّكاتِ الجيوشِ المُجَهَّزةِ التي تَكالَبَتْ من كُلِّ حَدَبٍ ومَعسَكَرٍ بِنِيَّةِ مَسحِ هُوِيَّةِ ووجودِ هؤلاءِ الصبيةِ، وتَصَدِّيهم لها وتفتيتِها وكَسرِها.
مُلاحَقةُ الطائراتِ الغادِرةِ للدوامِرِ والفِرقانِ ومشاربِ الإبلِ والأبقارِ في عِدِّ الغنمِ ووادي مليطِ الكريمِ وجبالِ كاوُورا الشامخةِ ومحاولةُ دَفنِها ومحوِ تاريخِها العريقِ.
مُلاحَقةُ الطائراتِ لجلساتِ مشائخِ القبائلِ في جودياتِ الرواكيب، ومحاولةُ طَعنِ القبائلِ من الخلفِ وإهانتِها رغمَ رَفضِ أبنائِها لفكرةِ أنهم ضُعفاءُ.
في يومٍ وليلةٍ، الشعرةُ الفاصلةُ بينَ الخوفِ والأمانِ في تلكَ القرى التي تمَّ تهجيرُها هو إسقاطُ طائرةِ البراميلِ في جبالِ مَدّو شرقَ باديةِ دَريشقا القوز، التي خَنَقَت ودفنت فيها مُتحركاتُ مُشتركةُ الارتزاقِ عندما حاولت هجومَ الغَدرِ والطعنَ من عدّةِ أماكنَ.
بِنَقْرةِ تِكْتِك الثنائياتِ والدوشكاهاتِ تُوأِدُ هذهِ الصبيةُ أحلامَ الخائنِ الغشيمِ وهي في مَهدِها قبلَ أن يَتَمَكَّنَ منهم.
الصحراءُ التي عانَتِ النَّهبَ والسَّحلَ والتشرذُمَ أصبحت اليومَ خاليةً من جماعاتِها المسلحةِ الغاشمةِ التي تُلاحقُ جَغْلَى في مِسدارِها ومنشاقِها وجَلبِها للحدودِ في كلِّ رحلةٍ لها.
اُكتُبْ يا مؤرخُ عن هذهِ المعرَكةِ فصلًا فصلًا، ولا تَنسَ عُرسَ السودانِ الذي وُقِّعَ في صالةِ كِنياتا العريقةِ بنيروبي، وحضره العلماءُ والثوارُ الزاهدونَ عن المطامِعِ والواقفونَ على عَتبِ السنينِ ضدَّ طُغمةٍ ظالمةٍ عابثةٍ بحقوقِهم.
اُكتُبْ عن رقصَةِ المُبَرِّداتِ والمردومِ على النصرِ السياسيِّ الذي تُوِّجَتْ به دماءُ الشهداءِ، وأصبحَ واقعًا يُخيفُ أعداءَهُم، اليومَ يَتَحوَّلونَ في تظاهراتِ أوروبا وأميركا يُلقون التُّهَمَ المُلَفَّقةَ عند بواباتِ السفاراتِ والمحاكمِ التي لا تُلقي لهمُ انتباهًا.
اُكتُبْ يا مؤرخُ عن الموقفِ الإنسانيِّ في بارا والفاشرِ وبابنوسة، وإنقاذِ الضعفاء الذين احتجزهم القساةُ وسَدَنَةُ الحكمِ، وانتشالِهِم باحترافيةٍ، وتوزيعِ المعوناتِ واللِّباسِ والشُّربِ لهم وإرجاعِهم إلى بُيوتهم.
اُكتُبْ عن فصولِ انتصاراتٍ شهدها العالمُ، ولا تُبَرِّرْ لهزيمةِ هذا الجيشِ الهزيلِ الطامعِ في السلطةِ.
فإن لم تكتب فلن تجد وسط هذا الصمت شاهداً واحداً يوثِّق أو يعترف بالملحمة والأكثر إيلاماً أنك لن تجد مراقباً تتبع صعوبة وتعرجات الرحلة فيتعذر إثباتها ويغض الطرف عن هذه البطولات



