رأي

“خالد أبو أحمد… حين يكتبُ المأزومُ بمنطق الضحية وهو من صَنَع جلّاديه”

إيمان التجاني

 

 إيمان التجاني

لا شيء يثير الدهشة أكثر من أولئك الذين يهربون من تاريخهم، ثم يقفون في نصف الطريق يلعنون الظلال التي صنعتها أيديهم. هكذا يبدو خالد أبو أحمد في كل مقال يكتبه: رجلٌ يفرّ من ماضيه الإسلاموي، لكنه لا يستطيع إلا أن يحمل فكره القديم في حقيبته كلما تحرّك. يكتب عن الجنجويد كأنهم كائنات هبطت من السماء، لا كأنهم جزء حيّ من الشعب السوداني، صَنعتهم السلطة المركزية التي كان هو نفسُه أحد أذرعها الإعلامية يوماً. وكأنه يتصوّر أن ذاكرة السودانيين قصيرة بما يكفي لتنسى أن أمثاله كانوا يطبّلون لسلطة جعلت من الدم سلّمًا ومن العنصرية دستورًا غير مكتوب.

ما كتبه خالد عن “الجنجويد” ليس تحليلًا، بل هروب فكري، لا يرى فيه إلا النتائج، تمامًا كما يفعل الإخوان المسلمون حين يغسلون أيديهم من الجرائم التي ارتكبوها. فخطابه اليوم هو الخطاب نفسه الذي تبنّته الحركة الإسلاموية لسنوات: سردٌ انتقائي، يُدين فيه الأدوات وينسى اليد التي صنعتها. يجرّم المقاتل ولا يجرّم من حمله إلى الجبهة. يلعن النار ويتجاهل من أشعلها. وهذه ذروة السطحية التي تحوّل الكاتب من شاهدٍ إلى مُضلِّل، ومن ناقدٍ إلى مُكرِّر لنسخة قديمة من نفسه.

الجنجويد الذين يتحدث عنهم خالد أبو أحمد ليسوا عصابة جاءت من الفراغ، بل يشكّلون امتدادًا طبيعيًّا لطيفٍ واسع من الإثنيات والقبائل السودانية التي كانت أصل الدولة الوطنية الأولى، قبل أن تُهدم عمداً على يد وكلاء الاستعمار وحلفائهم في المركز. هؤلاء الذين يكتب خالد اليوم بخجلٍ عن جرائمهم، هم الذين أنتجوا الجيش الذي استُخدم لضرب الجنوب لعقود، ثم دارفور، وهم الذين صنعوا سياسات التجهيل الممنهج واحتكار السلطة والثروة، وهم الذين حوّلوا فوائض إنتاج المزارعين والرعاة إلى غاباتٍ إسمنتية في الخرطوم، بينما تركوا الأطراف محرومة من المدرسة والعيادة والطريق.

ثم يأتي خالد ليلوم الضحية! ليقول إن “الجنجويد” صنيعة ذاتهم! هذا هو المنهج الإسلاموي حين يتحوّل إلى خطاب “ثوريّ”: المنهج ذاته، العقل ذاته، وإن تغيّر القميص. إنه ذات الخلل الفكري الذي يجعل الكاتب يرى الجلاد ملاكًا لأنه من “المركز”، ويرى الضحية شيطانًا لأنه من “الهامش”.

المجتمعات التي ينعتها خالد اليوم بالنقد السطحي، هي مجتمعات تمّ استغلالها عبر الحكومات المركزية المتعاقبة، الإسلاموية وغير الإسلاموية على حدّ سواء. ظلّوا يُؤخذون بالقوة إلى الحرب، يُستخدمون كوقود لمعركة ليست معركتهم، يُساقون للقتال دفاعًا عن سلطة لا تراهم مواطنين بل أدوات. ومع ذلك، يأتي خالد ليعيد إنتاج الخطاب نفسه الذي كان يُسوَّق في الخرطوم: “أنتم المشكلة”. بينما الحقيقة الصادمة التي يحاول الهروب منها هي: أن الدولة المركزية التي دافع عنها خالد وأمثاله هي من صنعت المشكلة، وهي من غذّاها، وهي من ورّطت السودان كله في جحيمٍ ممتد.

الكاتب الذي يتحدّث اليوم عن دارفور وكأنه اكتشفها بالأمس، كان جزءًا من ماكينة إعلامية ظلت تتجاهلها عمدًا. لم يكن يكتب عن القرى المحترقة ولا عن النساء المغتصبات ولا عن الأطفال الذين ماتوا جوعًا، إلا حين احتاج أن يستخدم مأساتهم كمدخلٍ سياسي. واليوم يكتب بذات الطريقة: يستخدم الضحايا ليصفّي حسابات فكرية داخلية، لا ليقول الحقيقة. والحقيقة أن من يصنع الجنجويد هو من يهمّشه أولًا ثم يسلّحه ثم يتركه يواجه عالمًا لا يعترف بإنسانيته.

رسالة خالد أبو أحمد ليست إنصافًا للضحايا، بل تبرئة للسلطة التي خدمتُه وخدمها. وحين يظن أنه خرج من الإسلاموية، يكشف خطابه أنه ما زال أسيرها، لأنه يفكر بذات “منهج المركز”، بذات الاستعلاء، بذات الازدواجية، بذات الهوس الأخلاقي الذي يوزّع الخطايا بطريقة تريح الضمير ولا تصحّح الواقع.

إلى خالد أبو أحمد نقول:

لا أحد يلومك لأنك كنت جزءًا من النظام. يلومونك لأنك ما زلت تفكر بعقله، مهما ادعيت الانسلاخ. ولأنك ما زلت تصنع جلادًا جديدًا كلما كتبت عن الضحية. ولأنك تحاول أن تكتب من مكانٍ أخلاقي لا تجرؤ أن تواجه نفسك فيه.

السودان لن يخرج من هذه الدائرة ما لم يعترف الجميع بالحقيقة الكاملة:

المشكلة ليست في الجنجويد… بل في العقل الذي صنعهم، وسلّحهم، واستغلّهم، ثم تبرّأ منهم.

وهذا العقل — يا خالد — ليس إلا العقل الذي كنتَ أنت أحد صوته يوماً.

أما اليوم، فلا يكفي أن تغيّر موقع الكتابة.

عليك أولًا أن تغيّر المنهج.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!