
نجم الدين دريسة
لا شيء يشبه مأساة السودان اليوم مثل تلك اللحظة التي ينكشف فيها الغطاء عن حقيقةٍ طالما حاول صُنّاعها دفنها تحت ركام الشعارات. حربٌ بلا معنى، اندلعت لتقطع الطريق على شعبٍ كان يسعى لقيام دولةٍ مدنية ديمقراطية، فإذا بها تتحول إلى أكبر عملية تزييف وابتزاز في تاريخ البلاد. تلك الحرب لم تكن معركة من أجل الوطن، بل كانت محاولة يائسة لاسترداد سلطةٍ فقدها أصحابها، فاختطفوا جيش البلاد، ووجّهوا سلاحه إلى صدور السودانيين، ثم لبسوا ثوب “الحارس الأمين” وهم يمارسون كل أشكال البطش باسم الدين.
لقد جاءت الحرب نتيجة منهجٍ طويل من السيطرة، بدأ بمحاولة إحكام القبضة على الجيش، وتصفية كل من يخالف هوى الجماعة داخله. وتبلورت هذه السيطرة عبر قوانين وقرارات وعمليات إحلال منظم، حتى صار السلاح في يد أقلية تتصرف كأنها الوصي الوحيد على البلاد. وحين شعروا بأن الشعب يتجه نحو بناء دولة حديثة تكسر دائرة الهيمنة، أشعلوا الشرارة التي أحرقت المدن، ودفعت الملايين للنزوح، وأغرقت البلاد في الفوضى.
ولأن الجماعات التي تعيش على الفوضى لا تخشى الدماء، فقد أعادت إنتاج كل جرائم الماضي: ضرب المدنيين من السماء، هدم البيوت على رؤوس سكانها، منع الناس من دفن موتاهم، وترويع الأحياء تحت راية “النقاء الديني”. وللتاريخ ذاكرة لا تمحى؛ فقد رأى السودانيون كيف يختطف القنّاص حياة المتظاهر كأنه يصطاد عصفورًا، وكيف تُلطّخ كرامة النساء باسم “الطاعة”، وكيف يُجوَّع الشعب ليبقى خاضعًا
ورغم أن ما جرى فظيع، إلا أن الأفظع هو خروج إعلام هذه الجماعة اليوم، يطلب من الشعب نفسه الذي قُتل وقُمع وجُوّع أن يقف معهمـ ضد من أشعلوا بهم الحرب ذاتها! إنها قمة العبث: أن يتّهم دعاة السلم بالخيانة، وأن يُطلب من الضحية أن تنحاز إلى جلادها. وكأنهم لم يسمعوا قول الحكيم: “من ظلم اليوم صاحبه، لن يجد غدًا من ينصره.”
جوهر الأزمة ليس في آلة الحرب، بل في العقل الذي يديرها. عقلٌ يرى في الدم وسيلة، وفي الخراب طريقًا، وفي السلطة غاية تبرر كل شيء. عقل لا يتورع عن تزييف الدين وتسخير الفقه وإعادة تدوير النصوص لتبرير المال الحرام، والقتل الحرام، والظلم الحرام. وهذا ليس تحليلًا، بل حقيقة نطق بها بعض من كانوا يومًا داخل هذه الجماعة، حين قال أحدهم عبارته الصادقة: إن كل تلك الممارسات “ليست من الدين، بل من الدنيا التي جُعل الدين وسيلة إليها”.
إن مشكلة هذا الفكر ليست مجرد انحراف أخلاقي، بل انهيار شامل في البنية الروحية التي يفترض أن يهتدي بها المؤمنون. يُحرَّف النص ليخدم السلطان، وتُختزل الشريعة في طاعة الأوامر، ويُستبدل حق الناس في الحياة بسرديات “التمكين” و”الكرامة المصنوعة من الدم”. وفي هذا يقول المثل القديم: “إذا فسد القائد، تضاعف خراب الطريق.
لقد رأى السودانيون بأعينهم كيف يُدار هذا الخراب. وكيف يتحول الجيش — مؤسسة الوطن — إلى أداة في يد من لا يحسن إلا الإقصاء. وكيف تتكرر مأساة “الولاء فوق الكفاءة”، و”التنظيم فوق الدولة”، حتى أصبحت البلاد رهينة حسابات ضيقة لا تؤمن بوطن ولا تعترف بشعب. وهذا ما يجعل مقولة الحكيم صادقة في كل زمان: “من جعل الناس درجات، هدم وطنًا بيديه.”
ليس مستغربًا أن يصف كثيرون هذه الحرب بأنها حرب “كرامة”، بينما هي في حقيقتها حرب لقطع الطريق على المدنية. لكن المدهش أن يدّعي من أشعلها أنهم حماة الوطن، في الوقت الذي يصفها قادة الجيش أنفسهم بأنها “حرب عبثية لا منتصر فيها”. هنا ينكشف التناقض، وينكشف معه حجم الخديعة التي يراد للشعب أن يبتلعها.
والسؤال الذي يجب أن يُطرح: ماذا تريد هذه الجماعة من الشعب بعد كل الدماء؟ ماذا تريد من أمةٍ فقدت أبناءها، واغتُصبت نساؤها، وشُردت عائلاتها؟ أي قلبٍ جافّ هذا الذي لا يرى حجم الفجيعة؟ وأي عقلٍ مظلم ذاك الذي يظن أن السودانيين سيقفون مع من سحقهم؟ قال الحكماء: “من لم يَرحم الناس، لم يجد منهم إلا السخط.”
إن واجب الشرفاء اليوم من المدنيين والعسكريين على السواء هو أن يرفضوا أن تُدار البلاد بعقلية الانتقام. أن ينفضوا أيديهم من مشروع الخراب الذي لا يريد سلامًا، بل يريد انتصارًا على شعبه. فالحرب لم تعد حرب مواقع وسلاح فقط، بل حرب وعي. ومن يملك الوعي لن يُهزم مهما تكاثر السلاح.
إن السودان يستحق دولة لا تقوم على الكراهية، ولا على خطابٍ يصنع الأعداء. دولة تُعيد للناس كرامتهم، وتعيد للجيش مكانته، وتعيد للوطن روحه. ولن يتحقق ذلك ما دام بيننا من يستثمر في النار ليبقى جالسًا على كرسيٍّ غارق في الدماء. قال أهل الحكمة: “العدل أساس الملك، والظلم قصوره من رمال.” وهذه حقيقة لا تلغيها دعاية ولا تسندها فتاوى.
وليس هناك طريق للخلاص إلا أن يقول أصحاب الضمائر الحية داخل المؤسسات — وبخاصة المؤسسة العسكرية — كلمتهم. أن يرفضوا أن يكون الجيش حصانًا يُقاد لمعارك لا علاقة لها بواجب الوطن. وأن يضعوا حدًا لمن يبيعون البلاد لأوهام السلطة. فالوطن أكبر من الجماعات، وأكبر من القادة، وأكبر من كل خطابٍ يكذب على نفسه قبل أن يكذب على الناس.
إن نهاية هذه الحرب لن تصنعها البنادق، بل سيصنعها وعي شعبٍ صبر طويلاً، وتعلّم كثيرًا، وذاق من القهر ما يكفي ليقول بصوتٍ لا يعلوه صوت: كفى. وقد جاء في قول مأثور يليق بهذه اللحظة: “الشعوب لا تُهزم… إلا حين ترضى بالظلم.”
والسودانيون —بعد كل ما رأوه لن يرضوا بالظلم مرة أخرى. ولن يسمحوا لمن أشعل الحرب أن يكتب مستقبل البلاد. فالأوطان لا تُبنى بأيدي من خربوها، ولا تنهض بقلوبٍ فارغة من الرحمة. سيعود السودان، وسيزول هذا الليل، وسيبقى الشعب كما يقول المثل الأخير “كالنهر… قد يعترضه السدّ، لكنه لا يتوقف.”




