رأي

لا عودة عبر الحرب … الشعب الذي انكشف له المستور لن يُخدع مرة أخرى

عبد الرحمن ابورندة بنسلفانيا

 

عبدالرحمن ابو رندة .. بنسلفانيا 

كل سوداني، مهما اختلفت جهته أو طبقته أو تجربته، يدرك اليوم حقيقة الحرب التي التهمت البلاد. فليست هي حربًا من أجل الوطن، ولا هي مواجهةٌ للدفاع عن الأرض أو العرض، بل هي معركة أشعلها عقلٌ مأزوم يبحث عن استعادة سلطةٍ سقطت، ويحاول العودة عبر أنهار الدم والدمار. عقلٌ يتحرك بإيحاءات تنظيمٍ ظلامي عابر للحدود، لا يرى في السودان شعبًا يستحق الحياة، بل ساحةً لتصفية الحسابات، ووسيلة لاستعادة النفوذ الذي انتزعه منه الشارع حين قال كلمته.

لكن الزمن تغيّر، والشعب الذي كُسرت قيوده لم يعد لقمةً سائغة. محاولات العودة عبر الفوضى، وإعادة تسويق الشعارات التي سقطت في امتحان الحقيقة، لم تعد تنطلي على أحد. لقد انكشف القناع، وبات الجميع يعرف أن هذه الحرب لم تُخض دفاعًا عن السودان، بل دفاعًا عن امتيازاتٍ مفقودة وأحلام سلطةٍ تبخرت.

والمشهد الأكثر عبثية هو أن بعض فلول النظام البائد يجتمعون اليوم في غرفٍ مغلقة، يتحدثون عن “مصير الوطن” وكأنهم أوصياء عليه، يتداولون حلولًا كأن القرار لا يزال بأيديهم، ويتصرفون بعقلية من لم يدرك بعد أنه خارج الملعب تمامًا. كيف يستطيع من أوقد الخراب أن يتحدث عن مستقبل البلاد؟ وكيف لمن دفع بالسودان إلى هذا الجحيم أن يدّعي الحرص على وحدته واستقراره؟

إن محاولات إعادة تدوير الخطاب القديم، وتغليف النوايا البائسة بشعارات “الكرامة” أو “القيم”، أصبحت مادة للسخرية بين السودانيين. فمن أشعل الحرب، وساهم في تمزيق المدن، ودفع الناس إلى النزوح، لا يحق له أن يتحدث عن شرفٍ وطني أو عن معركة من أجل المبادئ. إنها مفارقة تصنعها عقلية تعتقد أن الشعب بلا ذاكرة، وأن الخراب قابل للبيع بوصفه بطولة.

لقد مضت ثلاث سنوات منذ اندلاع هذه الحرب، والنتيجة كانت واضحة للجميع: خسارة واسعة للأرض، وتآكل للحاضنة التي كانوا يظنونها ثابتة، وانكشافٌ كامل لخطابهم الإعلامي الذي لم يعد يملك تأثيرًا على أحد. فالناس باتوا يرون الفرق بين الحقيقة والوهم، بين من يحارب لأجل السلطة ومن يقاتل فقط للبقاء على قيد الحياة.

ومع كل ذلك، لا يزال البعض يظن أن الوطن ممتلك خاص، وأن الشعب يمكن قيادته مرة أخرى عبر التخويف أو التضليل. ينسون أن السودان تغيّر، وأن الوعي الذي وُلد من رحم الثورة ومن دروس الحرب أصبح وعيًا لا يمكن التلاعب به. الشعب الذي دفع الثمن الأكبر لن يسمح بعودة من أسقطه بيديه، ولن يفتح الباب لمن يصرّ على جرّ البلاد نحو الهاوية.

إن محاولات التجمّع في الظلام، ورفض أي مسارٍ للحل طالما لا يعيدهم إلى السلطة، ليست سوى استمرار للعقلية ذاتها التي دمّرت البلاد. عقليةٌ تقوم على إعادة إنتاج الماضي، وعلى تجاهل واقع أن السودان لم يعد هو السودان الذي عرفوه. لقد تغيّر الناس، وتغيّرت المعايير، وسقطت الأقنعة، وبات الطريق الذي يحاولون سلوكه طريقًا مسدودًا لا أفق فيه.

فليعلم هؤلاء أن زمن الاتجار باسم الدين قد انتهى، وأن زمن الشعارات التي يُراد بها باطل قد طُوي إلى غير رجعة. لن يعودوا عبر السلاح، ولا عبر الفوضى، ولا عبر التحالفات الملتوية. الشعب الذي كشف حقيقتهم لن يمنحهم فرصةً جديدة، والبلاد التي يحاولون امتطاء ظهرها ستلفظهم كما لفظتهم من قبل.

فالسودان، برغم جراحه، أكبر من كل مشاريع العودة عبر الخراب. والشعب، مهما اشتدت عليه المِحن، أكبر من أن يُستَغفل مرة أخرى.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!