رأي

إنهم يسعون إلى استدامة الحرب في دارفور وكردفان: يا شعوب الهامش اتحدوا

د.فاطمة الزين الغالي .. .. كاليفورنيا

 

د. فاطمة الزين الغالي .. .. كاليفورنيا

لم تعد الحرب الدائرة في دارفور وكردفان مجرد اقتتال عابر بين أطراف متنازعة، بل تحوّلت إلى أداة مركزية في مشروع يتجاوز حدود المعارك اليومية ويتغلغل في بنية الدولة والمجتمع. فقد بات واضحاً أن حركة الإخوان المسلمين تتعامل مع هذا الصراع بوصفه فرصة نادرة لإعادة تشكيل التوازنات الديموغرافية والسياسية في السودان، وذلك من خلال استراتيجية محكمة تقوم على إدامة الفوضى وإطالة أمد الحرب إلى أقصى مدى ممكن. فالحرب بالنسبة لهم ليست حالة اضطرارية، بل وسيلة واعية وشيطانية تهدف إلى إضعاف البنية السكانية للأقاليم التي ظلّت تاريخياً أكثر مقاومة لهيمنة المركز وأشد رفضاً لمشاريعه الإقصائية.

ينطلق الإخوان في مسعاهم هذا من قناعة راسخة بأن الخطر الحقيقي الذي يهدد مشروعهم لا يكمن في القوى السياسية التقليدية ولا في مؤسسات الدولة المنهكة، بل في الهامش السوداني ذاته؛ في دارفور وكردفان وجبال النوبة والنيل الأزرق والنيل الأبيض، حيث تشكل هذه المناطق كتلة بشرية وسياسية ظلّت تنفض يدها مراراً من سياسات المركز وتتمسك بحقها في العدالة والاعتراف والمشاركة. ولذلك فإن استمرار الحرب، في منظورهم، ضرورة استراتيجية، لأنها لم تنجح بعد في إنهاك هذا الهامش بالشكل الذي يسمح بإعادة فرض مشروعهم القديم. وكلما طال النزاع، كلما توهنت قوى المجتمعات المحلية، وكلما أصبح الطريق أيسر لاستعادة السيطرة على الدولة تحت ستار جديد.

هذا ويرى كثير من المراقبين العسكريين انه مع تأكيدهم على تفوق الدعم السريع في مسارح العمليات مقارنة مع جيش الاخوان ولكن فيما يلي تحرير الفاشر سابقا والتحرير الوشيك لمدينتي بابنوسة والأبيض حاليا، يرى هؤلاء ان هناك تباطؤ متعمد من قبل البرهان وجماعته في إمداد جيشهم بالمعينات الضرورية من اجل استدامة القتال لأطول فترة ممكنه، وهو مايعرف في العلوم العسكرية بالعبث بموازين القوى. هذا البطء المصطنع لا يمكن تبريره عسكرياً، ويشي بمحاولة مكشوفة لاستنزاف طاقات الهامش القتالية عبر صراع يستهلك أبناءه بعضهم ببعض، في حين تظل القوى التي أشعلت الحرب بمنأى عن كلفتها البشرية.

كما إن هذه المقاربة الشيطانية تفرض على شعوب الهامش أن تستشعر حجم الخطر المحدق بها وأن تدرك أن المعركة لم تعد معركة قبائل أو مدن أو جماعات منفصلة، بل أصبحت معركة وجودية تصاغ فوق حدود الأقاليم وتتجاوزها. فلا سبيل لحماية ما تبقى من النسيج الاجتماعي ومنع إعادة إنتاج المشروع الإخواني إلا بتوحيد الصفوف وتجاوز الانقسامات، والوقوف على قلب رجل واحد للدفاع عن الحقوق التاريخية لهذه المناطق في العدالة والتمثيل المتكافئ وبناء الدولة على أسس جديدة.

ولعلّ أكثر ما يكشف حقيقة نوايا الإخوان المسلمين هو رفضهم المتكرر لأي مبادرة لوقف إطلاق النار، الأمر الذي يؤكد بوضوح أنهم لا يعيرون معاناة الشعب السوداني أدنى اهتمام، وأنهم ينظرون إلى استمرار الحرب كنافذة للعودة إلى السلطة ولو على جثث الأبرياء وخراب المدن. لقد آن الأوان لصدّ هذا المشروع مواجهةً لا لبس فيها، مواجهة تقطع الطريق نهائياً أمام جماعة ظلت تتغذى على الفوضى وتعيش على الأزمات، ولا ترى في السودان إلا ساحة لإعادة إنتاج أطماعها وأحلامها القديمة.

إن مستقبل البلاد لن يكتب بالانتظار ولا بالرهان على حسن نية من أسّسوا للحرب وأداروها، بل بإرادة شعبية صلبة تنطلق من الهامش وتتسع لتشمل كل السودان. فإما أن ينتصر مشروع العدالة والمواطنة، وإما أن يُترك الوطن نهباً لمن يسعون لقتله من أطرافه حتى يبتلع قلبه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!