زيارة توم فليتشر وكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية؛ اعتراف بحكومة تأسيس (!)
عباس أحمد السخي

عباس أحمد السخي
تمثل زيارة السيد توم فليتشر، وكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية، إلى حكومة تأسيس ولقاؤه الرسمي بالدكتور عزالدين الصافي حدثاً سياسياً بالغ الدلالة، يتجاوز طابعه الإنساني إلى رسالة دولية صريحة تعترف بوجود سلطة فاعلة على الأرض لا يمكن تجاهلها. فالاستقبال الذي تمّ بصفة رسمية يضع حكومة تأسيس في موقع البديل العملي لحكومة بورتسودان، ويمنحها نافذة عالمية تُطل من خلالها على المجتمع الدولي باعتبارها جهة قادرة على إدارة شؤون ملايين السودانيين داخل نطاق سيطرتها. في الأعراف الدبلوماسية، حين تتعامل الأمم المتحدة مباشرة مع سلطة محلية وتربط عملها الإنساني بها، فذلك يُعدّ اعترافاً وظيفياً يسبق الاعتراف السياسي. وهو ما عكسته الزيارة بوضوح، إذ جاءت في ظل فراغ متزايد تعانيه حكومة بورتسودان التي لم تعد قادرة على توفير البيئة اللازمة لعمليات الأمم المتحدة أو احتكار تمثيل السودان خارجياً.
كذلك الزيارة منحت حكومة تأسيس شرعية عملية تعزز موقعها في أي تسوية قادمة، وفتحت الباب أمام تعامل دولي أوسع معها، سواء عبر قنوات معلنة أو خلفية. كما أظهرت للمجتمع الدولي أن مناطق سيطرتها أصبحت ممرات إنسانية يعتمد عليها، وأن قدرتها على التنظيم وضبط الأوضاع تمثل عاملاً أساسياً في تحسين وصول المساعدات وتقليل الكوارث التي يعيشها المدنيون.
من جهة أخرى، أحدثت الزيارة تحولاً في ميزان القوى السياسي، إذ أضعفت موقف حكومة بورتسودان التي ظلت تعتمد على خطاب “الشرعية الدستورية الزائفة” بينما تفقد تدريجياً شرعية الأداء والقدرة على إدارة الملفات الحيوية. فالتواصل الأممي المباشر مع حكومة تأسيس يقوّض رواية بورتسودان حول احتكار تمثيل السودان، ويؤكد أن عزلة الأخيرة ليست ادعاءً سياسياً بل واقعاً ملموساً يتكشف مع كل خطوة أممية تتجاوزها.
إن الزيارة، بما تحمله من إيحاءات وتداعيات، تُعيد تشكيل المشهد السوداني وتفرض واقعاً جديداً يتمثل – على الاقل- في الاعتراف بوجود سلطتين متنافستين، إحداهما تزداد حضوراً وفعالية، والأخرى تتراجع تحت ضغط فقدان السيطرة والتأثير. وما سيترتب على هذه الخطوة من تحركات سياسية وإنسانية سيكون له أثر مباشر على مستقبل الصراع ومسارات التفاوض في السودان، إذ بات من الواضح أن حكومة تأسيس أصبحت رقماً لا يمكن تجاوزه، وأن المجتمع الدولي بدأ يتعامل مع معادلة القوة الجديدة بوصفها حقيقة يجب البناء عليها لا إنكارها.




