
عبد الرحمن ابو رندة… بنسلفانيا
من يتأمل مسيرة دولة الإمارات العربية المتحدة منذ تأسيسها يلحظ أن هذه الدولة لم تبنِ نهضتها فحسب، بل بنت معها إرثًا إنسانيًا أصيلًا، جعلها وطنًا يصنع الفرق في محيطه العربي والإقليمي. فمنذ البدايات الأولى التي رسم ملامحها المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، ظل العمل الإنساني ركيزة من ركائز السياسة الإماراتية، وقيمة ثابتة تتقدم على كل الحسابات، حتى أصبحت الإمارات اليوم أحد أهم النماذج العالمية في العطاء والمسؤولية الإنسانية. وفي صلب هذا الاهتمام كان السودان حاضرًا بوصفه بلدًا شقيقًا يجمعه بالإمارات تاريخ طويل من الترابط، وتقدير متبادل، وصلات اجتماعية وإنسانية عميقة.
لقد وجدت الأسر السودانية في الإمارات دومًا يدًا ممدودة، ودعمًا متواصلًا قبل كل الأزمات، حيث ساهمت المؤسسات الإماراتية في دعم قطاعات عديدة داخل السودان، مثل التعليم والصحة والإغاثة ومشروعات البنى التحتية والمجتمعات الريفية، ووفرت فرصًا كبيرة للكوادر السودانية التي أسهمت بدورها في نهضة الدولة عبر خبراتها وطاقاتها. لم تكن الإمارات يومًا دولةً تُغلق أبوابها في وجه السودانيين، بل وفرت لهم بيئة تُحترم فيها كفاءاتهم، وتتسع لطموحاتهم، مما أسس لعلاقة من الثقة والمودة يصعب أن تبلى مع الزمن.
وعندما عصفت الحرب بالسودان، ووجد ملايين المدنيين أنفسهم بين نزوحٍ ولجوء وضياعٍ لكل مقومات الحياة، برز الدور الإماراتي بمستوى يليق بعمق العلاقة وصدقها. فقد سارعت الإمارات إلى إطلاق جسر جوي وبحري وبري حمل الغذاء والدواء والإيواء لملايين المتضررين، وقدمت دعمًا كبيرًا للمنظمات الدولية والجهات الإنسانية التي تعمل داخل السودان وفي دول الجوار. لم يكن ذلك مجرد دعمٍ موسمي، بل كان تعبيرًا عن مبدأ راسخ يقول إن الأخوة تُختبر عند الشدائد. وفي وقت أغلقت فيه أبواب كثيرة، ظلت الإمارات تفتح حدودها أمام السودانيين الهاربين من الحرب، وتوفر لهم إقامة كريمة، وتعليمًا وفرص عمل، وتعاملهم بوصفهم أهلًا لا غرباء، في موقف نادر في هذا الزمن.
لقد أثبتت الإمارات، مرة بعد مرة، أن العمل الإنساني لديها لا ينطلق من دافع سياسي ضيق، بل من رؤية تعتبر أن استقرار الإنسان هو الخطوة الأولى نحو استقرار المنطقة، وأن الدول التي تُعلي قيمة الخير تبني لنفسها مكانًا في وجدان الشعوب قبل صفحات التاريخ. وقد انعكس هذا النهج في دعم الإمارات المستمر للمبادرات الرامية لوقف الحرب في السودان، وتشجيع الحوار، وتخفيف المعاناة عن المدنيين، إيمانًا بأن السلام هو الطريق الوحيد لمستقبل مستقر.
وهكذا يتجلى الدور الإماراتي تجاه السودان في صورة متكاملة: دعمٌ قبل الحرب، وعونٌ في قلبها، ووفاءٌ لا يتبدل رغم تبدل الظروف. وكل هذه المواقف تعكس حكمة قيادة تدرك أن صناعة المستقبل لا تكتمل إلا بالمسؤولية الأخلاقية تجاه الإنسان، وأن العلاقات بين الدول تُبنى بأفعال تبقى مضيئة حتى وإن غابت عنها الأضواء. ستظل الإمارات في ذاكرة السودانيين دولةً وقفت معهم بلا تردد، ومنحتهم مساحة للأمل في زمنٍ يتناقص فيه الأمل. وبين البلدين جسر إنساني راسخ ومتجدد، أساسه الاحترام، وروحه المروءة، وعماده الخير الذي لا ينقطع.




