رأي

كيف أعاد الإعلام الإسلاموي تشكيل الوعي العام ضد قوى الثورة؟

مؤيد الأمين

 

 مؤيد الأمين

منذ سقوط نظام الإسلامويين في السودان، لم تتوقف المعركة الحقيقية عند حدود السياسة أو السلطة، بل انتقلت سريعاً إلى ساحة أكثر خطورة وتأثيراً: ساحة الوعي العام. فالهزيمة السياسية التي مُني بها التيار الإسلاموي لم تُنهِ نفوذه، بل دفعته إلى استخدام سلاح أكثر فاعلية من القوة العسكرية، وهو السيطرة على السردية الإعلامية وإعادة تشكيل الإدراك الشعبي للأحداث.

اتبعت الآلة الإعلامية الإسلاموية استراتيجية مدروسة تقوم على ما يُعرف في علوم الاتصال السياسي بـ”إعادة تأطير الواقع” (Reframing)، لم يكن الهدف الدفاع عن مشروع سياسي بقدر ما كان تحويل قوى الثورة من موقع صاحب الشرعية الأخلاقية إلى موقع المتهم بدأت العملية بحملات منظمة اعتمدت على شعارات قصيرة لكنها عالية التأثير النفسي، مثل اتهام القوى المدنية ببيع دماء الشهداء أو سرقة الثورة. هذه العبارات لم تكن عشوائية؛ بل صُممت لتعمل كـ(رسائل صادمة) تُزرع في الوعي الجمعي وتُكرر حتى تتحول إلى ما يشبه الحقيقة الاجتماعية.

نجحت هذه الحملات لأنها استهدفت نقطة ضعف أساسية داخل المعسكر الثوري ٫ التعدد والتنوع التنظيمي. فبدلاً من التعامل مع الاختلاف بوصفه علامة صحة ديمقراطية، جرى تصويره كدليل على الفشل والانقسام. ومع تكرار الاتهامات، دخلت قوى الثورة في حالة دفاع دائم، وهو ما تسعى إليه أي ماكينة دعاية سياسية محترفة؛ إذ إن الطرف المنشغل بالدفاع يفقد القدرة على المبادرة وصناعة الخطاب.

ثم جاء الانقلاب ليعمّق هذا الأثر. فقد استُخدمت ذات الآليات الدعائية لتبرير الانقلاب عبر صناعة عدو داخلي، وتحويل الصراع من مواجهة بين الشعب وسلطة الأمر الواقع إلى صراع بين قوى الثورة نفسها ومع اندلاع الحرب، بلغ التشويه ذروته عندما جرى ربط القوى المدنية بالحرب ذاتها، بل ووصمها بأنها الذراع السياسي لدعم السريع، رغم التناقض الواضح بين خطاب الثورة المدني ومشاريع العسكرة.

علمياً، هذه الظاهرة تُعرف بـ”هندسة الإدراك الجماعي”، حيث لا تُقنع الدعاية الناس بحقيقة جديدة، بل تُربكهم حتى يفقدوا القدرة على التمييز بين الحقيقة والزيف. وعندما تضيع البوصلة يصبح المجتمع قابلاً لتصديق أي رواية تُقدم له بثقة وتكرار.

المشكلة اليوم لا تكمن فقط في قوة الإعلام الإسلاموي، بل في رد فعل القوى المدنية نفسها. الاستمرار في الرد على كل اتهام يمنح الدعاية حياة جديدة فالإعلام الدعائي يعيش على ردود الفعل، لا على الحقائق لذلك فإن أخطر خطأ استراتيجي هو البقاء في خندق الدفاع.

المطلوب من قوى الثورة ليس تبرئة نفسها، لأن شرعيتها لم تأتِ من خطاب إعلامي بل من ثورة شعبية واضحة المطالب. المطلوب هو الانتقال من الدفاع إلى المبادرة توحيد الخطاب، التركيز على الهدف المركزي وهو إيقاف الحرب، وإعادة طرح المشروع المدني بلغة المستقبل لا بلغة التبرير.

إن القوى المدنية رغم اختلافاتها التنظيمية، لا تختلف في جوهرها الإيمان بشعارات الثورة ( حرية، سلام، وعدالة) هذه القواسم المشتركة أكبر من كل الخلافات الثانوية التي غذّتها الدعاية (الكيزانية) حين تتوقف القوى الثورية عن الرد على الاتهامات، وتبدأ في مخاطبة الشعب حول إنهاء الحرب وبناء الدولة المدنية ستنهار تلقائياً سردية التشويه.

فالمعركة اليوم ليست فقط ضد الحرب، بل ضد الوعي المُصادَر. والانتصار الحقيقي يبدأ عندما تستعيد الثورة ثقتها بنفسها، وتتحدث بصوت واحد لا للدفاع عن الماضي، بل لصناعة المستقبل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!