
أدهم الضهيب
يبدو المشهد السوداني اليوم وكأنه يكتب صفحة جديدة من تاريخ الصراع بين مشروعٍ وطني ناشئ ينهض من هوامش البلاد، وبين مركزٍ متآكل استهلكته الولاءات الضيقة والحسابات القديمة. فقد عجزت المجموعات التي ورثت إرث “دولة 56” عن مواجهة التحولات الجذرية التي يشهدها السودان، حيث ظلّت هذه القوى – من بقايا النظام القديم وبعض المنتفعين من منظومات النخب التقليدية – عاجزة عن تقديم خطاب أو مشروع بديل، واكتفت باتهامات مبعثرة ومحاولات مكشوفة لصناعة عدو خارجي يخفون خلفه هشاشتهم السياسية والفكرية.
وفي ظل صعود مشروع الهامش العريض، الذي يحمل رؤية تأسيسية جديدة للسودان ترتكز على العدالة والتعددية والاعتراف المتبادل، لجأت هذه القوى إلى الهروب إلى الأمام عبر افتعال معارك جانبية. فبدلاً من مواجهة الأسئلة الجوهرية المتعلقة بإعادة بناء الدولة السودانية على أسس عادلة، اختارت مهاجمة دولة الإمارات العربية المتحدة، في محاولة لصرف الأنظار عن إخفاقاتها العميقة.
غير أن هذه الاتهامات لا تصمد أمام الواقع. فالإمارات، التي بنت خلال عقود قليلة نموذجًا متقدمًا في الحوكمة والتنمية والدبلوماسية الفاعلة، رسخت حضورها الإقليمي من خلال شراكات استراتيجية واسعة وتوازنات منفتحة على العالم. كما أنها أسهمت في مسارات التنمية، التعاون الإنساني، والاستقرار الإقليمي، بعيدًا عن منطق الشعارات أو الاستقطاب الآني.
ومن الوهم الاعتقاد بأن الضجيج الذي تصنعه بقايا المركز المنهار قادر على التأثير في سياسات دولة مستقرة وقوية مثل الإمارات، أو إعاقة دورها في دعم الأمن الإقليمي وفي مواجهة التطرف العنيف والإرهاب. بل إن ردود الفعل الانفعالية التي تصدر من مجموعات مرتبكة داخل المشهد السوداني تكشف بوضوح أزمة إدراك عميقة، وتعكس فقدان هذه القوى لأي رؤية جامعة أو مشروع وطني بديل يمكن أن يواجه المستقبل بثقة.
أما مشروع الهامش، الذي يرفع راية التأسيس، فيستند إلى رؤية واضحة لإعادة بناء السودان على أسس جديدة وعادلة، تقوم على الاعتراف بالتنوع الثقافي والاثني والجغرافي، وترسيخ قيم التعايش، وتحقيق شراكة وطنية شاملة تضع نهاية حقيقية لدولة الامتيازات المركزية. وقد أدركت القوى التقليدية أن زمن احتكار القرار السياسي وتوريث السلطة داخل حلقات مغلقة قد انتهى؛ وأن السودان الجديد يتشكل من الأطراف الصلبة لا من المراكز الواهنة.
إن المعركة اليوم ليست بين الهامش والمركز فحسب، بل بين مشروع للوطنية الحديثة، ومشروع آخر يصرّ على إعادة إنتاج الخراب. ولذلك، فإن المستقبل سيكون لمن يملك رؤية، لا لمن يرفع صوته.




