
مها طبيق
مع الانهيار المؤسسي العميق الذي يعيشه السودان ، تبرز العلمانية كأداة حوكمة ضرورية لإدارة المخاطر التي خلّفها تسييس الدين طوال العقود الماضية . إن الحديث عن النظام العلماني هنا وبعيدا عن النقاش الفلسفي يجب أن نفهم المقصد من العلمانيه والذي يعني قدرة الدولة على حماية نفسها من الانقسام ، وضبط بيئة التشغيل ، وتحصين القرار العام من الابتزاز العقائدي . فنجاح أي دولة حديثة يقوم على بناء مؤسسات محايدة ، بحيث لا تقود الي تعبئة دينية تُستخدم لتبرير السلطة أو شرعنتها .
العلمانية في السودان تعني أولًا تحييد الدين عن آليات الحكم ، لأنها تحييد لمصدر خطر أثبت تدميريته : الجماعات الإسلاموية التي اختطفت الدولة ، وحوّلت العقيدة إلى منصة امتيازات اقتصادية ، وأدوات قمع ، وشبكات تمكين . لذلك تصبح العلمانية هنا إطارًا لإدارة المخاطر السياسية والاقتصادية ، لا موقفًا ضد الدين ولا عداءً للمجتمع المتدين .
إدارة المخاطر تبدأ بتفكيك العلاقة بين الدين ومراكز القوة . فحين يُستخدم الدين كوسيلة لتبرير العنف أو احتكار السلطة ، يصبح تهديدًا مباشرًا لاستدامة الدولة. والعلمانية ، بصيغتها الإجرائية ، توفر قواعد تشغيل واضحة : الدولة محايدة ، المؤسسات لا تتبنى عقيدة ، والقانون هو المرجعية الوحيدة . هذه القاعدة وحدها تزيل أحد أكبر مصادر التوتر القومي والجهوي في السودان ، حيث تم توظيف الخطاب الديني لإقصاء الهويات الأخرى ، وإضفاء شرعية زائفة على المركزية القاسية .
العلمانية هي إدارة تدريجية للانتقال من دولة عقائدية فاشلة إلى دولة خدمات محايدة . تبدأ العملية بتصفية شبكات التمكين الديني داخل الأجهزة الأمنية ، ثم إعادة هيكلة الخدمة المدنية ، ثم إصلاح القضاء وإطلاق خطاب تواصلي يعيد تعريف العلاقة بين المواطن والدولة على أساس الحقوق ، لا على أساس الانتماء الديني .
هذا التحول لا يستهدف الدين ، وإنما يحميه من التلاعب السياسي . فالدين في السودان ظل لعقود رهينة المصالح الحزبية والاقتصادية ، واستُخدم لتجييش الحرب ، وتبرير القمع ، وتمرير الصفقات . العلمانية هنا تفصل الدين عن السوق السياسي ، وتحفظ قدسيته بتجريده من الاستغلال .
كما أن العلمانية توفر بيئة اقتصادية أكثر استقرارًا . فمنع الامتيازات الدينية في السوق ، وإلغاء التشريعات العقائدية التي تحكم المعاملات ، وفرض الشفافية على المؤسسات المالية ، كلها إجراءات تقلل المخاطر الاستثمارية وتعيد بناء الثقة . بهذا المعنى ، تصبح العلمانية اداة إنها إعادة معايرة للمنظومة الاقتصادية نحو المنافسة العادلة .
وفي بلد متعدد الأعراق والثقافات مثل السودان ، تمثل العلمانية الإطار الأكثر عملية لإدارة التنوع . فهي لا تطلب من أي جماعة أن تتخلى عن معتقدها ، بل تطلب فقط ألا تطغى عقيدة واحدة على مؤسسات الدولة . بهذا التصور ، تتحول العلمانية من خطاب صدامي إلى أداة استقرار تمنع الاحتكاك بين المجتمع والدولة ، وتوفر أرضية مشتركة لصياغة عقد اجتماعي جديد .
إن السودان اليوم يحتاج إلى نظام سياسي قادر على حماية الدولة من الانهيار ، وضبط الفوضى ، وقطع الطريق أمام عودة الإسلام السياسي بأشكاله المختلفة . والأنسب لذلك هو النموذج العلماني الإجرائي—النموذج الذي يتعامل مع الدين كجزء من المجتمع ، ويعيد تصميم الدولة حول مبادئ المساواة ، والمسؤولية ، والحياد .
لذلك نجمل القول في أن العلمانية مشروع سلام مؤسسي . ولا يصطدم مع الدين ، بل يحميه من الاستغلال . وتكون أداة إدارة مخاطر في دولة تحتاج إلى إعادة ضبط شاملة .
مها الهادي طبيق
18 نوفمبر 2025
mahatebig@gmail.com




