رأي

تمايز الصفوف! أم تحالف القتلة في بورتسودان؟

فاطمة لقاوة

 

 فاطمة لقاوة

ما يُسوَّق اليوم في بورتسودان تحت لافتة “تمايز الصفوف” ليس إلاَّ محاولة مكشوفة لإعادة ترتيب معسكر السلطة، لا على أساس وطني أو أخلاقي، بل وفق منطق البقاء وتقاسم النفوذ. 

الحقيقة التي يحاول إعلام السلطة القفز فوقها هي أن هذا “التمايز” لا يفصل بين مشروعين متناقضين، بل يجمع بين أطراف إرتبطت جميعها—بدرجات متفاوتة—بدوامة العنف التي أنهكت السودان.

لا يمكن تبرئة قيادة الجيش، وعلى رأسها البرهان، من مسؤولية المسار الذي قاد البلاد إلى هذا الإنفجار، فسياسات عسكرة الدولة، والتواطؤ مع المليشيات،

وصناعة مراكز قوة موازية للمؤسسة العسكرية، كلها لم تكن أخطاء عابرة، بل خيارات واعية و مُمنهج ومدروسة إستخبارتيا،و اليوم، يُعاد تقديم نفس هذه الشبكات كـ”حلفاء ضرورة”، في مفارقة تكشف غياب أي مشروع حقيقي لبناء دولة.

عندما يُعاد تدوير رموز مثل موسى هلال في المشهد، فإن الرسالة واضحة: لا قطيعة مع الماضي، بل إعادة توظيف له،فالرجل الذي إرتبط اسمه ببنية المليشيات في دارفور، لا يمكن تحويله بقرار سياسي إلى فاعل “وطني” دون مساءلة.

تجاهل هذا التاريخ ليس مصالحة، بل إنكار يفتح الباب لتكرار المأساة،أما تقديم شخصيات مثل كيكل والقبة كجزء من “المعسكر الوطني”، فهو إهانة مباشرة لضحايا الإنتهاكات المُمنهج التي تمت بهندسة من إستخبارات البرهان- التي زُرعت وسط قوات الدعم السريع- في الجزيرة ودارفور ،هذه ليست مسألة إختلاف سياسي، بل سجلّات مرتبطة بالعنف الميداني لا تُمحى بخطاب إعلامي أو إعادة تموضع سياسي.

شهادات القبة المتداولة ، مهما إختلفت القراءات حولها، تعكس بوضوح طبيعة التحالفات: تقاطعات مصالح بين أطراف مسلحة، لا مشروع دولة.

جبريل إبراهيم يكشف جانبًا آخر من الأزمة، بتحوله من قائد رفع شعارات العدالة، إلى شريك في سلطة متهمة بإعادة إنتاج نفس البنية التي ثار ضدها،هذا الإنتقال لا يمكن تفسيره كواقعية سياسية فقط، بل يطرح سؤالًا أخلاقيًا: ما قيمة الشعارات إذا إنتهت بالإصطفاف مع ذات المنظومة التي كانت تُدان في خطابته السابقة؟.

ما يجري في بورتسودان اليوم يبدو أقرب إلى “غرفة إعادة تدوير” للنخب والتحالفات، حيث يُعاد توزيع الأدوار دون تغيير جوهري في قواعد اللعبة،لا حديث جاد عن عدالة إنتقالية، لا مساءلة، ولا حتى إعتراف صريح بحجم الإنتهاكات التي تعرّض لها المدنيون.

الرهان الأكبر—والخاطئ—هو أن الشارع السوداني يمكن تضليله مرة أخرى، بعد كل ما جرى، لم يعد الناس يقيّمون الخطاب، بل الأفعال.

دماء دارفور، ومآسي كيكل في الجزيرة، وانتهاكات القبة في الفاشر، ليست تفاصيل يمكن تجاوزها في بيان سياسي،إنها ذاكرة حيّة تُسقط أي محاولة لتبييض الصفحات السوداء التي هندسها البرهان في كل الحِقب.

ما يحدث اليوم ليس “تمايز صفوف” بقدر ما هو إنكشاف كامل لطبيعة الصراع:ليس بين وطني وخائن، بل بين شعب يدفع ثمن الحرب، وعصابة تُتقن إعادة التموضع داخلها.

التمايز الحقيقي لن يتحقق بإعادة تدوير نفس الوجوه، بل بكسر هذه الحلقة:بالمحاسبة، بالشفافية، وبإعادة بناء الدولة على أسس جديدة.

إلى ذلك الحين، سيظل كل حديث عن “تمايز الصفوف” مجرد غطاء سياسي لتحالفات لا تختلف كثيرًا عمّا سبقها.

الثورة مستمرة، و معركة الوعي هي الفاصلة.

ولنا عودة بإذن الله

الخميس،٣٠أبريل/٢٠٢٦م

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!