رأي

ميثاق القاهرة خدعة مدنية تتجاهل جذور الأزمة

نجم الدين دريسة

 

نجم الدين دريسة

لم يكن الإعلان عن ما سُمّي بـ«ميثاق القاهرة» مجرد خطوة سياسية عابرة في سياق الحرب والانهيار السوداني، بل شكّل اختبارًا جديدًا لصدق الخطاب المدني وقدرته على الارتقاء إلى مستوى التضحيات الهائلة التي قدّمها السودانيون. فمنذ اللحظة الأولى، بدت الوثيقة محمّلة بلغة عمومية ناعمة، تسعى لإرضاء أكبر عدد من الفاعلين، أكثر من سعيها لمواجهة بنية الأزمة مواجهة صريحة. وهذا الاختيار اللغوي والسياسي ليس بريئًا، إذ يعكس إرادة واضحة لتدوير الأزمة بدل كسرها.

أبرز ما يلفت الانتباه في الميثاق هو صمته المريب تجاه جوهر الصراع في السودان، والمتمثل في هيمنة المؤسسة العسكرية على السياسة والاقتصاد. فالوثيقة تتحدث عن “الحكم المدني” و“استعادة المسار الدستوري” دون أن تُسمّي العائق الرئيسي أمام ذلك: العسكر بوصفهم فاعلًا سياسيًا واقتصاديًا. هذا التجنّب لا يمكن تفسيره باعتباره حرصًا على التوافق، بل هو في جوهره تنازل مبكر عن أحد أهم مطالب ثورة ديسمبر. فالتجربة السودانية، منذ الاستقلال، تؤكد بما لا يدع مجالًا للشك أن أي مشروع لا ينص صراحة على إخراج الجيش من السياسة والاقتصاد محكوم عليه بالفشل، أو على الأقل بالتحول إلى واجهة مدنية لسلطة عسكرية مستترة.

ويزداد ضعف الميثاق وضوحًا حين يتناول مسألة العدالة. فرغم ترديد شعارات “عدم الإفلات من العقاب” و“جبر الضرر”، إلا أن الوثيقة تفصل هذه المبادئ عن البنية المؤسسية التي ارتكبت الجرائم. لا حديث عن تفكيك الأجهزة الأمنية، ولا عن إصلاح جذري لمنظومة العدالة، ولا عن مساءلة سياسية حقيقية لمراكز القرار التي قادت البلاد إلى الحرب. وهكذا تتحول العدالة من مشروع سياسي تغييري إلى قيمة أخلاقية عامة، جميلة في ظاهرها، لكنها عاجزة عن الفعل في واقع تحكمه موازين القوة والسلاح.

أكثر ما يثير الريبة أيضًا هو الغياب الكامل للحديث عن جماعة الإخوان المسلمين ودورهم التاريخي في تخريب الدولة السودانية. فالوثيقة تتعامل مع المجال السياسي وكأنه صفحة بيضاء، متجاهلة أن هذه الجماعة كانت – وما زالت – أحد الأعمدة الرئيسية لعسكرة الدولة وتسييس الجيش وتخريب الاقتصاد. إن أي حديث جاد عن تأسيس دولة مدنية ديمقراطية لا يكتمل دون إبعاد هذا التيار من المعادلة السياسية، لا بدافع الإقصاء، بل بدافع حماية المجال العام من أيديولوجيا معادية للديمقراطية بطبيعتها. إن تجاهل هذا الملف لا يعكس تسامحًا سياسيًا، بل قصر ذاكرة خطير، أو محاولة واعية لتفادي صدام مع قوى ما زالت تمتلك نفوذًا داخل مؤسسات الدولة.

أما مسألة الجيش، فيتعامل معها الميثاق بوصفها ملفًا فنيًا يمكن إصلاحه تدريجيًا، لا قضية سياسية بنيوية تتطلب إعادة تأسيس كاملة. فلا توجد رؤية واضحة لإعادة بناء الجيش على أسس وطنية مهنية، ولا التزام بحل المليشيات، ولا تفكيك للعقيدة القتالية التي صُنعت لخدمة السلطة لا الوطن. بل إن اللغة المستخدمة توحي بمحاولة “إصلاح من الداخل”، وهي المقاربة التي أثبتت فشلها مرارًا، وكانت دائمًا مدخلًا لإعادة تدوير العسكر في ثوب جديد.

وفي سياق العلاقات الخارجية، يلفت الانتباه الحضور الباهت للآلية الرباعية في الميثاق. فالإشارة إليها جاءت خجولة وعابرة، لا تعكس إدراكًا حقيقيًا لأهمية الضغط الدولي في لحظة اختل فيها ميزان القوة لصالح السلاح. هذا التردد يفتح الباب أمام تساؤل مشروع حول ما إذا كانت الوثيقة تسعى فعليًا لتقويض مسار الرباعية، أو على الأقل جرّه إلى مقاربة أكثر ليونة، تتماشى مع الرؤى الإقليمية السائدة.

ولا يمكن فصل مضمون الميثاق عن مكان ولادته. فالقاهرة، التي استضافت صياغة الوثيقة، ليست وسيطًا محايدًا في الشأن السوداني. فالدولة المصرية الرسمية ظلّت، تاريخيًا، داعمة للأنظمة الشمولية ومعادية للتحولات الديمقراطية في الإقليم، ونظرت إلى السودان باعتباره ملفًا أمنيًا ومجال نفوذ، لا شعبًا صاحب إرادة. وقد ارتبط دورها، في الوعي السوداني، بدعم نخب الامتيازات التاريخية، والتآمر على الثورات الشعبية، والمساهمة في إعادة إنتاج السلطوية. من هذا المنطلق، يصبح من الصعب الوثوق في أي مسار سياسي يتشكّل تحت رعايتها دون مساءلة صريحة لهذا الدور.

كما ينزلق الميثاق بوضوح نحو السردية المصرية والسعودية التي ترفع شعار “الحفاظ على مؤسسات الدولة”. غير أن هذا الشعار، في الحالة السودانية، يخفي أكثر مما يوضح. فمؤسسات الدولة، بصيغتها الحالية، ليست ضحية الصراع، بل أحد أسبابه الرئيسية. إنها المؤسسات التي أشعلت الحروب، وقمعت الشعوب، وفشلت في إدارة التنوع وبناء وطن عادل. وبالتالي، فإن الحديث عن الحفاظ عليها دون إعادة تعريفها وتفكيك بنيتها السلطوية هو وصفة مؤكدة لإعادة إنتاج الأزمة.

الأخطر من ذلك أن الميثاق لا يقدّم أي مشروع حقيقي لإعادة تأسيس الدولة السودانية. لا معالجة لجذور الأزمة في المركزية المفرطة، ولا تفكيك لاختلالات الهوية، ولا رؤية عادلة لعلاقة المركز بالأقاليم. يتحدث عن “الدولة المدنية” كشعار عام، لا كمشروع تاريخي يتطلب قطيعة معرفية وسياسية مع الدولة القديمة. وفي بلد خاض حرب وجودية، لا يمكن ترميم الدولة القديمة ببعض العبارات التوافقية، بل يجب إعادة بنائها على أسس جديدة وعادلة.

في المحصلة، يبدو «ميثاق القاهرة» أقل بكثير من حجم اللحظة التاريخية التي يمر بها السودان. إنه وثيقة تُجامل موازين القوة، وتتفادى الصدام مع جذور الأزمة، وتراهن على تسويات ناعمة في واقع صلب تحكمه البنادق. وأي وثيقة لا تنص صراحة على خروج العسكر من السياسة والاقتصاد، ولا تُبعد الإخوان المسلمين من المجال العام، ولا تعيد بناء الجيش من الجذور، ولا تُسمّي الأدوار الإقليمية المعرقلة، ولا تعيد تعريف الدولة السودانية على أسس جديدة وعادلة، ستظل وثيقة ناقصة، مهما حسنت نوايا بعض موقّعيها.

لقد تعلّم السودانيون، عبر تجارب قاسية، أن أنصاف الحلول لا تصنع سلامًا، بل تؤجّل الانفجار. فالثورات لا تُهزم دائمًا بالرصاص، أحيانًا تُخنق بالمواثيق الضعيفة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!