
إبراهيم الشيخ بشارة
يمرّ السودان اليوم بمرحلة هي بلا شك من أعقد ما واجهه في تاريخه الحديث. حربٌ أنهكت الدولة، وانقسامٌ مزّق المجتمع، واقتصادٌ يتهاوى وسط أزمات متلاحقة. لكنّ التاريخ يخبرنا أن لحظات الانكسار كثيراً ما تكون بوابة التحوّل، وأنّ ما يبدو نهاية قد يكون بدايةً لنهضة وطنية شاملة إذا وُجدت الإرادة واستقامت البوصلة. فالسودان بلد واسع الإمكانات، غني بموارده وبإنسانه، لكنّه يحتاج إلى رؤية واعية تُخرج قدراته من دائرة الإمكان إلى دائرة الفعل.
أولاً: الإنسان السوداني… أساس أي مشروع نهضوي
لا تبنى النهضات بالجيوش وحدها ولا بالحكومات فقط، بل بالإنسان أولاً. السوداني يحمل في داخله مخزوناً من القيم الرفيعة: الشهامة، والكرم، والتكافل، والإصرار. لكنّ هذه الطاقة انطفأت بسبب غياب الثقة بين المواطن والدولة. إعادة بناء هذه الثقة تبدأ بتعليم حديث يحرر العقول، وسياسات تُنصف الشباب، ومؤسسات تصنع مواطناً واعياً يشعر بأن الوطن ملك له، وليس حملاً ثقيلاً عليه.
ثانياً: الدولة وهيبتها… بلا مؤسسات لا تُبنى الأوطان
لا يمكن لدولة متداعية المؤسسات أن تقود نهضة. المطلوب إصلاح حقيقي يُعيد المهنية للجهاز الإداري، ويضع معيار الكفاءة فوق الولاء، ويجعل القانون سيّداً على الجميع دون استثناء. الدولة القوية ليست تلك التي تخيف مواطنيها، بل التي تحميهم، وتضمن حقوقهم، وتفتح لهم أبواب الحياة الكريمة. استعادة هيبة الدولة هي حجر الأساس في أي تحول وطني.
ثالثاً: اقتصاد يعكس إمكانات السودان الحقيقية
السودان ليس بلداً فقيراً، بل بلداً أُفقِر. أراضٍ زراعية خصبة تمتد لملايين الأفدنة، مياه وفيرة، ثروة حيوانية ضخمة، ومعادن لم يُستغلّ معظمها بعد. لكنّ سوء الإدارة والحروب والفساد أفقدت هذه الثروات قيمتها.
وللنهوض بالاقتصاد، لا بد من:
مكافحة الفساد وتجفيف مصادر المضاربات.
دعم الإنتاج الحقيقي، الزراعي والحيواني والصناعي.
خلق بيئة استثمارية آمنة وشفافة.
توجيه الموارد إلى التعليم والصحة والطرق والخدمات الأساسية.
اقتصاد مُنتج قادر وحده على رفع قيمة العملة، وتوفير الوظائف، وإخراج ملايين السودانيين من دائرة الفقر.
رابعاً: المصالحة الوطنية… شرط السلام والاستقرار
لن يُكتب للسودان مستقبل مستقر ما دامت الحروب مشتعلة والخصومات متوارثة. المصالحة الوطنية ليست رفاهية، بل ضرورة لبناء دولة حديثة. المطلوب مشروع جامع يعترف بالجميع، يزيل الإقصاء، ويعيد اللحمة الوطنية التي مزّقتها سنوات الصراع. السلام الحقيقي ليس نصوصاً تُوقّع، بل عقد اجتماعي جديد يضمن العدالة، وتكافؤ الفرص، وكرامة الإنسان في كل بقاع السودان.
خامساً: الشباب والمرأة… الثروة التي لا تُقدّر بثمن
الشباب هم محرّك النهضة، وقوتها الحيوية. لا يمكن أن تنهض دولة تُقصي أكثر من نصف طاقتها. كما أنّ المرأة السودانية، التي صنعت المجد في البيوت والميادين والحقول، يجب أن تُمنح دوراً أساسياً لا شكلياً في قيادة التنمية وصناعة القرار.
خاتمة: الطريق شاق… لكنه ممكن
السودان اليوم أمام مفترق طرق. إما الاستسلام للانهيار، أو الشروع في بناء دولة جديدة تُعيد الاعتبار للإنسان، وتؤسس لاقتصاد منتج، وتستعيد هيبة الدولة وعدالتها.
هذه النهضة ليست حلمًا بعيداً، بل خياراً ممكناً إذا اجتمع السودانيون على رؤية وطنية جامعة، تُغلّب مصلحة البلاد على مصالح الجماعات، وتضع العمل والإنتاج والتسامح فوق كل اعتبار.
السودان لا تنقصه الثروات ولا العقول ولا الإرادة… ينقصه فقط القرار بأن يكون كما يستحق:
بلداً قوياً، آمناً، مزدهراً، يليق بشعبه وتاريخه ومستقبله.




