رأي

البرهان والإسلاميون.. تحالف الضرورة ومأزق الدولة المختطفة

ابو عبدالله الراشدي

 أبو عبدالله الراشدي

في المشهد السوداني الراهن، تتبدى العلاقة بين الفريق عبد الفتاح البرهان والحركة الإسلامية كواحدة من أعقد العلاقات السياسية في تاريخ البلاد الحديث، علاقة تجمع بين الولاء الموروث والمصلحة المشتركة، لكنها أيضًا تحمل في داخلها كل أسباب التناقض والانفجار. فالرجل الذي صعد في سلم المؤسسة العسكرية تحت رعاية الإسلاميين، يجد نفسه اليوم أمام معادلة مستحيلة: إما أن يواصل الارتهان لتلك المنظومة التي صنعت مجده، أو أن يتحرر منها ليثبت استقلال قراره الوطني، مخاطراً برصيد القوة الذي يستمده منها.

البرهان ليس نتاج صدفة، بل ابن منظومة تشكّلت منذ انقلاب 1989 حينما أحكمت الحركة الإسلامية قبضتها على الجيش، فصاغت عقيدته، وحددت معايير الولاء والانتماء داخله. ومن خلال سياسة “التمكين” التي أفرغت الجيش من عناصره المهنية واستبدلتهم بالموالين أيديولوجياً، تحوّل الجيش إلى ذراعٍ سياسية تحرس مشروع الحركة أكثر مما تحمي الوطن. وعليه، يصعب تخيّل أن يخرج البرهان من عباءة هذا الإرث بسهولة، فالتاريخ الشخصي والمؤسسي كليهما يثقل كاهله.

لكنّ المعضلة لا تتوقف عند حدود الانتماء العقائدي، بل تتجاوزها إلى طموحات الرجل الشخصية. فعبد الفتاح البرهان ـ بحسب المراقبين ـ لا يتحرك بدافع الإيمان بفكرةٍ أو مشروعٍ وطني، بقدر ما تحركه غريزة البقاء في السلطة. ولأجل ذلك، قد يتخلى عن أقرب حلفائه إذا رأى أن استمرارهم يهدد موقعه. وفي المقابل، يدرك الإسلاميون أن بقاءهم في المشهد رهنٌ ببقاء البرهان، لذا فهم يمسكون بخيوط اللعبة الدقيقة التي تضمن ولاءه من جهة، وتمنع سقوطه من جهة أخرى. إنها علاقة متبادلة من الابتزاز السياسي والاعتماد القسري، لا يثق فيها أحدهما بالآخر، لكن لا غنى لأحدهما عن الآخر.

منذ انقلاب 25 أكتوبر 2021، برزت ملامح هذا التحالف بوضوح؛ فذلك الحدث لم يكن مجرد “تصحيح للمسار” كما روّجت السلطة، بل كان محاولة لإعادة تمكين الإسلاميين الذين أطاحت بهم ثورة ديسمبر 2018. ومع انكشاف المشهد، أدركت القوى المدنية أن البرهان لم يكن سوى واجهةٍ جديدة لمنظومةٍ قديمةٍ أعادت إنتاج نفسها تحت شعارات وطنية زائفة.

ومع ذلك، يعيش البرهان مأزقاً مزدوجاً: فهو في الداخل محاصرٌ من الإسلاميين الذين يرون فيه “ضرورةً مؤقتة” لتأمين نفوذهم، وفي الخارج مطالبٌ من قبل الرباعية الدولية (الولايات المتحدة، بريطانيا، السعودية، والإمارات) بالتحرر من هذه المنظومة، كشرطٍ أساسيٍّ لأي تسوية سياسية أو دعم دولي. فبيان الرباعية الصادر في سبتمبر 2025 كان واضحاً في الإشارة إلى أن استقرار السودان مرهون بإنهاء هيمنة التيارات الإسلامية المتطرفة على مؤسسات الدولة، وأنّ أي انتقالٍ مدنيٍّ لن يكون ذا مصداقية ما دام الجيش تحت سطوة الولاءات الأيديولوجية.

غير أن البيان الدولي لم يقدّم آليةً واضحة لتنفيذ هذه الرؤية، مما جعل الأمر يبدو أقرب إلى الأمنيات السياسية منه إلى خطة قابلة للتحقيق. فكيف يمكن إصلاح مؤسسةٍ يسيطر عليها الإسلاميون دون تفكيك بنيتها بالكامل؟ وكيف يمكن التعويل على البرهان ليقود هذا الإصلاح وهو ذاته جزء من المشكلة؟ بل هو الضامن الأكبر لاستمرار هذا النفوذ الذي يتغذّى على الخوف، لا على الشرعية.

ردّ سلطة بورتسودان على بيان الرباعية جاء بنبرة التحدي، متذرعًا بالسيادة الوطنية وحق السودانيين في تقرير مصيرهم. لكنّ هذه السيادة، كما يرى كثيرون، ليست سوى قناعٍ لستر التبعية القديمة، ومحاولة لتجميل واقعٍ يكرّس استمرار سيطرة الحركة الإسلامية على الدولة والجيش والاقتصاد. فالبرهان، وهو يتحدث عن الاستقلال الوطني، يدرك في قرارة نفسه أن قراراته مرهونة بتوازنات قوى داخلية معقدة، وأن أي خطوةٍ خاطئة قد تطيح به في لحظة.

إن جوهر المأساة السودانية اليوم يكمن في هذا الارتباط البنيوي بين السلطة والولاء الأيديولوجي. فالدولة لم تعد تُدار على أساس الكفاءة أو المصلحة الوطنية، بل وفق معادلات النفوذ والمحسوبية التي أسّستها الحركة الإسلامية خلال ثلاثة عقود. ومع أن بعض رموزها اختفوا مؤقتاً من المشهد العلني، إلا أن أذرعهم الأمنية والاقتصادية ما زالت فاعلة، تعمل من وراء الستار لحماية مصالحها واستعادة مجدها القديم عبر واجهات جديدة.

إنّ أي حديث عن مستقبلٍ مستقرٍّ للسودان لا يمكن أن يتجاهل هذه الحقيقة الجوهرية: لا إصلاح ممكناً في ظل قيادةٍ تستمد شرعيتها من ذات المنظومة التي خرّبت مؤسسات الدولة. فالبرهان ليس عقبة فردية، بل هو تمثيل رمزي لأزمة بنيوية صنعتها الحركة الإسلامية داخل المؤسسة العسكرية. وما لم يُكسر هذا الارتباط التاريخي، سيظل السودان رهينةً لدائرةٍ مغلقة من الانقلابات والفشل، حيث تتحول السلطة إلى غايةٍ بحدّ ذاتها، والوطن إلى وسيلةٍ لخدمة مشروعٍ أيديولوجي ضيّق.

لقد آن الأوان، كما يقول المراقبون، أن يدرك السودانيون أن معركتهم ليست ضد شخص البرهان فحسب، بل ضد الفكرة التي يمثلها: فكرة الدولة المختطفة باسم الدين، والجيش المسخّر لخدمة حزبٍ لا وطن. وبين الولاء والطموح، بين الخوف والابتزاز، يظل البرهان عالقًا في منتصف الطريق؛ لا هو قادر على الانفصال عن الحركة الإسلامية، ولا هي مستعدة للتخلي عن رجلٍ يضمن استمرارها ولو من وراء الستار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!