
بقلم: الدكتور فرانسيس مادينق دينق | رثـاء
الثلاثاء ٤ نوفمبر ٢٠٢٥م
وودستوك – مدينة نيويورك
الولايات المتحدة الأمريكية
🖋ترجمة وتحرير: دينقديت أيوك
واصل بونا وشخصي العمل لدعم القضية الجنوبية. وعندما تأسست الحركة الشعبية والجيش الشعبي لتحرير السُّودان، عملنا مع القيادة، وبالتحديد مع رئيسها، الدكتور جون قرنق دي مبيور، على ترقية وتعزيز وتعريف بقضية الجنوب في الولايات المتحدة. وكثيرًا ما انضم بونا إليَّ وإلى الفريق الذي شكلناه في واشنطن للتعريف بالقضية الجنوبية.
إنني أتذكر الاجتماع الذي عقدناه مع صديقنا المشترك، بطرس غالي، الأمين العام للأمم المتحدة في ذلك الوقت. ومن المفارقات أن بطرس قام بتوبيخنا لعدم انضمامنا إلى الحركة الشعبية لتحرير السُّودان. كان ردنا عليه هو سؤال وجهناه إليه عما إذا كان بمقدوره أن يلتقينا لو كنا أعضاءً في حركةٍ متمردة مناهضة للحكومة. كان موقفنا هو أننا أكثر نفعًا للحركة خارج نطاق عضويتها الرسمية.
كلفنا جون قرنق، شخصي وبونا، بتمثيل الحركة الشعبية لتحرير السُّودان في مفاوضات الرباعية الثنائية تحت رعاية سويسرا، حيث تألف وفد الحكومة من شخصان، بينما مثل بونا وشخصي الحركة. جرى تغيير ممثلو الحكومة باستمرار، وتكونوا في أحيانٍ كثيرة من: مطرف صديق، ومحمد عبد الرحمن، وعلي عثمان، بينهم آخرين، بينما ظللتُ أنا وبونا ثابتين طوال مدة المبادرة.
ووفقًا لما كان يرى جون قرنق، كان من المهم ألا نكون أعضاءً منتسبين للحركة الشعبية لتحرير السُّودان بالعضوية، لأنّ ذلك سيخول لهم الحق في اعتبارنا أعضاءً إذا كانوا راضين عن عملنا، أو يحرموننا من العضويه، إن لم يكونوا راضين عما قمنا به. كنا جميعًا راضين عن هذا الترتيب.
عندما بادرت الدول الأعضاء في الهيئة الحكومية المعنية بالتنمية (الإيقاد) بقيادة الزعيمين الجديدين في إثيوبيا وإريتريا، ملس زيناوي وإسياس أفورقي، واتخذا زمام المبادرة بالتوسط لإنهاء شرارة الحرب في السُّودان؛ تم تشكيل مجموعة من الدول الأفريقية – وهي مؤسسة بحثية فكرية إقليمية – بقيادة الناشط الإثيوبي المسلم عبدول محمد، كمجموعة لاستقطاب الموارد لتقديم المشورة للوسطاء. كنتُ مع بونا ملوال عضوين فاعلين في مجموعة استقطاب الموارد. فور تلقيه نبأ وفاة بونا، أرسل لي عبدول محمد رسالة عميقة تضمنت الفقرة التالية:
«عزيزي الدكتور فرانسيس، حَزِنْتُ بشدة فور سماعي نبأ وفاة صديقكم العزيز وشقيقكم مدى الحياة، بونا ملوال. فضلًا، أرجو أن تتقبلوا تعازيَّ الحارة ومؤازرتي العميقة لكم في هذه اللحظات العصيبة … لقد كنتما تمثلان الفرحة والسعادة حينما أراكما معًا. كانت صداقتكما مبنية على العلم والفكر والاحترام المتبادل وروح الوطنية المشتركة. لقد تحاججتما بحماسٍ عارمٍ، ولكن كان ذلك دائمًا بروح الحب للسُّودان ولأفريقيا».
في الحوار الوطني الذي أطلقه الرئيس كير في العام ٢٠١٧م لمناقشة قضايا السَّلام والوحدة وبناء الدولة في السُّودان الجنوبي، كنتُ وبونا عضوين في اللجنة التوجيهية. كان بونا مقررًا للحوار الوطني، وكنتُ أحد نائبي المقرر. وبناءً على اقتراح من بونا، تم تعييني متحدثًا رسميًا باسم اللجنة التوجيهية. وبمبادرة مني، تم إنشاء لجنة فرعية لإجراء مشاورات شعبية حول منطقة أبيي. كان الحوار الوطني عمليةً تناولت بالمدارسة والفحص الدقيق وبشكلٍ شامل التحديات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية للسَّلام والأمن وبناء الدولة في البلاد.
كان النَّاس يروننا دائمًا معًا، ندخل الاجتماع معًا ونغادر الاجتماع في سيارة واحدة، رغم أن كلًا مِنَّا كان يملك سيارة خاصته، ونتشارك وجباتنا ونحتسي القهوة معًا عند الظهر، ونحضر المناسبات الدبلوماسية والاجتماعية معًا. كنا أيضًا ننخرط في مجادلات ونختلف بشدة بطريقة كانت تُسلي زملائنا.
كان الخلط ما بين صداقتنا الراسخة ومناقشاتنا الحادة وخلافاتنا المتكررة حول القضايا مصدر تسلية لزملائنا، وقد أضحى ذلك مشهدًا مألوفًا ومشابهًا لما وصفه عبدول محمد في استذكاره لعملية وساطة الإيقاد. كان أبو عجاج، وهو مساعد بونا الذي يثق فيه، يُشير إلينا بـ«تيمان»، أي التوأم.
بعد أربع سنوات من العمل الدؤوب، وثقنا وقائع الحوار الوطني في خمسة مجلدات، تم إنتاجها باحترافيةٍ عالية وبدعمٍ سخي من برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في السُّودان الجنوبي. كتبتُ مع بونا مقدمة مشتركة لهذه الوثائق.
مع أنني وبونا اختلفنا كثيرًا حول القضايا، وكانت علاقاتنا معقدة، إلا أنني لا أتردد في القول إنني اعتبرتُ بونا ملوال أخًا وصديقًا عزيزًا. كانت حواراتنا أحيانًا مثيرة للجدل وعصية على النَّاس فهمها، ولكن كان هناك تحت السَّطْح احترامٌ عميقٌ لبعضنا الآخر والتزامٌ مشتركٌ برفاهية أبناء شعبنا وبلادنا. لقد أنجزنا أشياءً عظيمةً معًا. لم تكن خلافاتنا سببًا ومصدرًا للانقسام، بل كانت مصدرًا للتكامل والتعاضد في سبيل تحقيق مصالحنا المشتركة في خدمة بلادنا وشعبنا.
بالرغم من أن بونا سيُفتقد وجوده بشدة، سيبقَ إرث خدمته لأبناء شعبنا ووطننا خالدًا. خلافًا للاعتقاد والإيمان السائد في الحياة بعد الموت، وهو إيمانٌ تعززه التعاليم الدينية للمسيحيين والمسلمين حول الحياة الأبدية، يُؤمن الدينكا بمفهومٍ عميق يُعرف بـ«كووج إي نوم»، ويعني الحفاظ على رأس شخص راحل قائمًا. إنه مبدأ يعكس الهوية الدائمة والتأثير من خلال ذكرى الموتى من قِبَل الأحياء والأبناء والأقارب والأصدقاء وكل من صنع المتوفي تأثيرًا في حياتهم بطريقةٍ تحملُ معاني قيمة.
عليه، لا ريب في أن بونا سيظل حيًا في ذاكرتنا وذاكرة أجيالنا القادمة. ليعطي الله القدير روحه الراحة في سلامٍ أبدي.
هذا الرثاء تلاه السفير طييك قيير طييك، في المجلس التشريعي الوطني الانتقالي في مناسبة وداع النعش المغلق للسياسي الراحل، الموقر بونا ملوال مادوت ريينق، يوم الاثنين الموافق ١٠ نوفمبر ٢٠٢٥م.



