رأي

مصر و”صون مؤسسات السودان”: حماية المؤسسات أم حماية البرهان!!

عباس احمد السخي

 

 عباس احمد السخي

يتكرّر في الخطاب الرسمي المصري، وعلى لسان وزير الخارجية د. بدر عبد العاطي، التشديد على “صون مؤسسات الدولة السودانية” و“الحفاظ عليها” في أي تسوية سياسية مقبلة. وفي ظاهر الأمر تبدو هذه اللغة تأكيدًا لمبدأ سيادة الدولة ووحدة أراضيها، لكنها في جوهرها تعكس رغبة مصرية صريحة في الإبقاء على الجيش السوداني بقيادة البرهان كما هو دون أي إصلاح أو إعادة هيكلة، بوصفه الضامن التقليدي للمصالح المصرية في السودان.

لقد وفّر الجيش السوداني، منذ عقود، سندًا سياسيًا واستراتيجيًا مهماً للقاهرة فيما يتعلق بملف مياه النيل. فالمواقف التي تبنّاها الجيش تجاه اتفاقيات مياه النيل وسدّ النهضة جاءت متطابقة مع الرؤية المصرية، بل ومعادية للمصالح السودانية نفسها. وكان الثمن هو دعم مصر للجيش في السيطرة على الحكم، وتوفير الغطاء السياسي الذي يمكّنه من تعطيل أي انتقال مدني حقيقي. وبموازاة ذلك، سمح الجيش للقاهرة، عبر ترتيبات غير متكافئة، باستنزاف الموارد الزراعية والحيوانية السودانية، والحصول على أراضٍ واسعة للاستثمار الزراعي، دون أن ينعكس ذلك على حياة المواطنين أو على الاقتصاد السوداني.

وهنا يبرز سؤال مهم: هل الجيش السوداني اليوم مؤسسة وطنية تستحق الحماية؟ الإجابة المؤكدة: لا. فمنذ انقلاب الإخوان المسلمين عام 1989، جرى تحويل الجيش إلى مؤسسة حزبية مغلقة تحتكرها عناصر التنظيم والمقرّبون منهم. وتم إقصاء آلاف السودانيين من الالتحاق به عبر سياسات تمكين واضحة، قادتها واجهات مثل “الهيئة الخيرية لدعم القوات المسلحة” و“هيئة النشاط الطلابي”. ومنذ ذلك التاريخ، لم يعد الجيش يعكس تنوّع المجتمع السوداني، بل أصبح ذراعًا سياسية للتنظيم، تقمع تطلعات الشعب نحو الحرية والسلام والعدالة. ولذلك لم يكن غريبًا أن ينقلب الجيش على حكومة الثورة في 25 أكتوبر 2021، أو أن يدفع البلاد إلى حرب مدمرة حين فشل مشروع إعادة الإخوان للسلطة عبر الانقلاب. واليوم يرفض الجيش وقف الحرب لأنه يدرك أن أي هدنة حقيقية ستقود إلى استعادة المسار المدني، وإبعاد الإخوان، ومحاسبة القادة، وتسليم المطلوبين إلى المحكمة الجنائية الدولية.

وتبرز هنا مفارقة لافتة، إذ تعلن القاهرة دعمها لمبادرة الرباعية، وهي مبادرة تتحدث بوضوح عن إعادة هيكلة الجيش، وتنقية المؤسسة العسكرية من التمكين، وإبعاد الإخوان المسلمين عن النفوذ، وتهيئة مسار سياسي مدني شامل. لكن مصر، عمليًا، تعمل في الاتجاه المعاكس، إذ تصرّ على بقاء الجيش السوداني في وضعه الحالي، ضامنًا مصالحها في ملف النيل وفي الاستثمارات الزراعية. وهو تناقض يكشف الفجوة بين الخطاب الدبلوماسي المصري وبين المصالح الاستراتيجية التي لا تريد القاهرة التفريط فيها مهما كان الثمن الذي يدفعه الشعب السوداني.

إن دعوة القاهرة إلى “صون مؤسسات الدولة السودانية” ليست سوى محاولة للحفاظ على التحالف القديم بين النظام المصري وقيادة الجيش السوداني، تحالف يقوم على المصالح المائية والأمنية، لا على مبادئ الاستقرار أو دعم إرادة الشعب السوداني. ومع أنّ الرباعية الدولية تطرح مسارًا واضحًا نحو إصلاح الجيش وتطهيره من التسييس، إلا أن الموقف المصري يظل عقبة رئيسية أمام أي تسوية جادة تعيد السودان إلى طريق التحول الديمقراطي والمدنية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!