رأي

كرة القدم صوتُ سلامٍ لا ينقطع… ورسالة أمل لأهل دارفور

الطاهر علي موسي ... نيالا

 

الطاهر علي موسي … نيالا 

في عالمٍ تمزّقه الحروب وتُثقل كاهله الأزمات، تبقى الرياضة واحدة من أكثر الأنشطة قدرةً على جمع الناس حول هدف واحد: الحياة. فالرياضة ليست مجرد منافسة داخل المستطيل الأخضر، بل هي ثقافة، وتربية، وصوت سلامٍ لا يخفت مهما علا ضجيج البنادق. ولطالما أثبتت كرة القدم—اللعبة الشعبية الأولى في العالم—أنها قادرة على بثّ الأمل حتى في أحلك الظروف، وأنها مساحة مفتوحة للتسامح والتواصل بين الشعوب.

ورغم ما تمرّ به دارفور ومدينة نيالا من تحديات أمنية ومعيشية، إلا أن شبابها ما زالوا متمسكين بجلد الكرة، يطاردون أحلامهم فوق تراب الملاعب، ويؤكدون للعالم أن الحياة أقوى من الحرب، وأن الأمل لا يُهزم. فالرياضة هنا ليست ترفاً، بل ضرورة نفسية واجتماعية وثقافية، إذ تعيد الروح للمدينة وتمنح شبابها طاقة إيجابية تساعدهم على تجاوز صعاب اليوم.

ممارسة الرياضة في مناطق النزاعات ليست مهمة سهلة، فهي تحتاج إلى بيئة آمنة وملاعب صالحة وتجهيزات وإدارة فاعلة. وفي دارفور، يواجه الرياضيون عقبات مضاعفة: نقص الإمكانيات، تدهور البنية التحتية، غياب الدعم المؤسسي، وتشتت الفرق واللاعبين بسبب الظروف الأمنية. ومع ذلك فإن النشاط الرياضي لم يتوقف، بل ظل مشعلاً للعزيمة، يحمل رسالة واضحة: “لسنا مهزومين… نحن صامدون”.

شباب نيالا، على وجه الخصوص، كانوا مثالاً للإصرار، إذ واصلوا تنظيم المباريات الودية والدورات الصغيرة في الأحياء، معلنين أن الرياضة أكبر من الحرب، وأن كرة القدم قادرة على أن تكون متنفساً آمناً لهم وللمجتمع.

لكي تستعيد نشاطها الرياضي بالصورة المثلى، تحتاج نيالا إلى مناخ مستقر ينظم فيه الاتحاد المحلي دوريات الدرجات الثلاث: الأولى والثانية والثالثة، إضافة إلى دورات الناشئين التي تُعد ركيزة المستقبل. وهذا الأمر يتطلب جهداً جماعياً من الأندية، والإداريين، والقيادات الأهلية، والدولة قبل الجميع.

أبرز ما تحتاجه الولاية اليوم هو إعادة تأهيل استاد نيالا الأولمبي، بوصفه القلب النابض للنشاط الرياضي. فهذا الصرح العريق يعاني من الإهمال لفترة طويلة، ويحتاج إلى صيانة عاجلة تشمل الملعب والمدرجات وغرف اللاعبين والإضاءة والبنية الأساسية، حتى يكون جاهزاً لاستقبال المباريات الرسمية خلال الفترة القادمة.

من هنا تأتي الرسالة المباشرة إلى حكومة تأسيس ونامل عن يتم تسمية وزير الشباب والرياضة باسرع ما يمكن:

لان ولاية جنوب دارفور في حاجة ماسة إلى رعاية رسمية حقيقية تعيد الحياة إلى ملاعبها وتدعم استئناف النشاط الرياضي بكافة درجاته. فالدوري لا يمكن أن ينطلق دون دعم الوزارة وتوفير الميزانيات الضرورية للصيانة، وتذليل العقبات الإدارية، وتنسيق العمل بين الاتحادات المحلية والأندية.

إن إطلاق دوري الدرجات الثلاث في نيالا ليس مجرد نشاط رياضي عابر، بل هو مشروع سلام مجتمعي يعيد الانسجام بين الشباب، ويُبعدهم عن مسارات الانحراف، ويُشكل متنفساً للجمهور، ويسهم في تعزيز الاستقرار الذي تنشده الولاية.

إن أهل نيالا قادرون على إعادة الرياضة إلى مكانتها، بشرط أن تتكامل الجهود بين الاتحادات والأندية واللاعبين والمجتمع، وأن يكون كل شاب وناشط رياضي شريكاً في حماية هذه المساحة الهادئة التي تجمع القلوب حول شغف واحد.

فالرياضة، مهما اشتدت الأزمات، تظل بوابة للأمل، ومجالاً يعيد للناس ابتسامتهم، ويمنح المدن روحها من جديد. ونيالا، التي عرفت الرياضة منذ عقود، لن تخذل أبناءها إذا اتحدت الجهود لإعادة الحياة إلى ملاعبها واستادها العريق.

ستبقى كرة القدم في دارفور رسالة محبة وسلام، وستظل نيالا—برغم الألم—عاصمةً للرياضة والإصرار، لا تعرف الاستسلام ولا تقبل أن تطفئ الحرب شعلتها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!