رأي

الجيش السوداني وإدارة الاقتصاد والسلطة:بلا محاسبة وبلا مراجعة

مؤيد الامين

 

مؤيد الأمين

أين هو الجيش السوداني؟

ولماذا فقدت هذه المؤسسة العريقة دورها الطبيعي وتحولت إلى لاعب سياسي واقتصادي يبتعد تدريجياً عن مهامها الأصلية؟

أسئلة تتردد اليوم بقوة في الشارع السوداني، خاصة مع تفاقم الأزمة الوطنية وتعدد الحروب والصراعات التي كشفت حجم الخلل داخل المؤسسة العسكرية.

على مدى عقود، ظلّ الجيش أسيراً لهيمنة تنظيم سياسي فكري واحد – التنظيم الإخواني (الكيزان) – الذي أحكم قبضته على الضباط ومفاصل القيادة، وأعاد صياغة مفهوم الجيش من مؤسسة لحماية الوطن إلى مؤسسة لإدارة السلطة وحماية النظام. وهكذا فقد الجيش بوصلة دوره الأساسي، وأصبح يتحرك خارج إطاره الطبيعي، بينما تتعمق امتيازاته الوهمية التي جعلته فوق الدولة لا داخلها.

مؤسسة بلا بوصلة: دور الجيش الذي ضاع بين السلطة والتنظيم

وفق الأعراف العسكرية والدساتير الحديثة، مهمة الجيوش واضحة:

حماية الحدود، حماية الشعب، حماية الدستور.

لكن في السودان، انقلبت المعادلة.

فالعقيدة العسكرية لم تعد مرتبطة بالوطن بقدر ارتباطها بـ”سلطة التنظيم” التي رسخت أن الجيش هو الجهة المؤهلة للحكم، وأن المدنيين غير قادرين على إدارة الدولة.

هذا التلاعب الفكري ضرب فكرة المهنية، وخلق أجيالاً من الضباط يرون السلطة حقاً أصيلاً، لا انقلاباً على الشرعية.

والنتيجة كانت سلسلة طويلة من الانقلابات وحروب داخلية وتمردات، كلها خرجت من رحم سوء فهم دور المؤسسة العسكرية.

امتيازات بلا أساس:

كيف أصبح الجيش فوق الدولة؟

من أخطر التشوهات التي أصابت المؤسسة العسكرية هو منحها امتيازات هائلة بلا سند دستوري أو قانوني، حتى أصبحت مؤسسة تتمتع بـ”الاستثناء الكامل” مقارنة بكل مؤسسات الدولة الأخرى.

1. ميزانية كاملة بلا توريد للخزينة

تحصل القوات المسلحة على كامل رواتبها وتمويلها من وزارة المالية، لكنها لا تورد أي إيرادات من شركاتها ومشاريعها، ولا تخضع لأي رقابة مالية أو مراجعة حسابات، بينما تُجبر المؤسسات المدنية على الالتزام التام باللوائح المحاسبية.

2. إمبراطورية اقتصادية بلا رقابة

تملك المؤسسة العسكرية شبكة واسعة من الشركات في مجالات:

– التعدين

– الزراعة

– الصناعة

– النقل

– الاستيراد والتصدير

– العقارات

– الاتصالات

– محطات الوقود

ورغم ذلك، لا يظهر في ميزانية الدولة أي عائد من هذه الأنشطة.

اقتصاد خفي، ضخم، يعمل خارج الإطار الرسمي ويمنح الجيش قوة مالية تعادل قوة الدولة ذاتها.

3. حصانة مفتعلة

لا يوجد قانون يمنح الجيش وضعاً فوق بقية المؤسسات.

لكن الإسلاميين خلقوا عرفاً غير مكتوب تقوم عليه المنظومة العسكرية اليوم:

مؤسسة لا تُسأل، لا تُحاسب، لا تُراجع، ولا تُعرض ميزانيتها للبرلمان.

الكيزان والجيش: تحالف السلطة والظل

منذ انقلاب 1989، عمل الإسلاميون على اختراق الجيش بشكل منهجي.

خطتهم كانت واضحة:

إن أردت أن تحكم السودان بلا معارضة، فسيطر على الجيش.

وقد نجحوا بذلك عبر:

إحلال كوادر موالية داخل الصفوف القيادية

ربط الترقيات بالولاء لا الكفاءة

تغيير العقيدة القتالية إلى عقيدة حزبية

خلق اقتصاد عسكري يمول التنظيم

إقصاء الضباط غير المنتمين أو غير الموالي

وهكذا أصبح الجيش ليس مؤسسة وطنية بقدر ما أصبح “أداة سياسية” داخل مشروع الإسلاميين.

دولة داخل الدولة: حين يتحول الجيش إلى سلطة كاملة

اليوم يمكن وصف المؤسسة العسكرية بأنها “دولة داخل الدولة”

ميزانية غير معلنة

شركات ضخمة خارج الرقابة

علاقات سياسية داخلية وخارجية

نفوذ يحدد مصير الحكومات

موارد مالية لا تدخل الخزينة

قدرة على تعطيل أي انتقال مدني

سلطة فوق المحاسبة

وهذا الوضع لا يهدد السياسة فقط… بل يهدد بقاء الدولة نفسها.

الثورة ومحاولة فتح الملف الذي فجّر الانقلاب

عندما جاءت حكومة “قحت”، كان مطلب إخضاع شركات الجيش لوزارة المالية من أهم مطالب الثورة.

ولأول مرة في تاريخ السودان، طُرح السؤال علناً:

من يملك اقتصاد الجيش؟ وأين تذهب أموال هذه الشركات؟

ها السؤال وحده كان كافياً لاستفزاز التنظيم الإخواني، الذي أدرك أن كشف هذه الملفات يعني نهاية إمبراطوريته السرية.

ولذلك لم يكن غريباً أن يتحول ملف شركات الجيش إلى أحد الأسباب الرئيسية للانقلاب على الانتقال المدني.

كيف يتحرر الجيش؟

تحرير المؤسسة العسكرية لا يعني إضعافها، بل يعني إعادة بنائها على أسس وطنية.

وذلك يتطلب:

1. إعادة تعريف العقيدة القتالية على أساس حماية الوطن لا السلطة.

2. إخضاع كل الشركات العسكرية لوزارة المالية.

3. تفكيك التمكين الإخواني داخل الجيش ومراجعة الترقيات.

4. وضع ميزانية الجيش تحت رقابة البرلمان.

5. فصل الجيش بالكامل عن العمل السياسي.

6. إعادة هيكلة المؤسسة لتكون جزءاً من الدولة لا دولة فوقية

خاتمة:

الجيش ليس خصماً… بل ضحية

الحقيقة المهمة أن الجيش السوداني ليس عدواً للشعب، لكنه ضحية لهيمنة تنظيم سياسي استخدمه لعقود سلاحاً للتمكين الاقتصادي والسياسي.

تحرير الجيش ليس معركة ضد المؤسسة العسكرية، بل معركة لإعادتها إلى مكانها الصحيح:

حارس الوطن… لا حارس التنظيم.

فلا نهضة سياسية ولا دولة مدنية ولا استقرار يمكن أن يتحقق بينما الجيش يتحرك خارج حدوده المهنية، ويمتلك اقتصاداً موازياً، ويخضع لقوة ظلامية تصنع القرار من خلف الستار.

تحرير الوطن يبدأ بتحرير الجيش… وإعادة البوصلة إلى اتجاهها الصحيح.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!