رأي

حين يصحو العالم على صرخة السودان… رحلة الأمة نحو الحرية والسلام

نجم الدين دريسة

 

 نجم الدين دريسة

لم يكن تصريح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مجرد تدوينة عابرة، بل كان صرخة دولية أعادت السودان إلى قلب الاهتمام العالمي. فقد قال: «تشهد السودان فظائع هائلة… وقد أصبحت أكثر الأماكن عنفاً على وجه الأرض»، ثم كشف أن الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد السعودي، طلب منه التدخل شخصياً لوقف الحرب. كان ذلك إقراراً بأن النزيف بلغ حدّاً لم يعد العالم قادراً على احتماله. في تلك اللحظة التي يشبه فيها الزمن ناراً تلتهم أطراف الوطن، تتجلى حقيقة لا تخطئها البصيرة: الأمم لا تُنقذها الصدف، بل اللحظات التي يقرر فيها العقل أن الوقت قد نفد.

كان واضحاً أن السودان دخل مرحلة من التشظي تجاوزت قدرة الداخل على المعالجة. فالتوصيف الدولي الذي اعتبر البلاد «أعنف مكان على وجه الأرض» لم يكن مجرد كلمات، بل تشخيص لوضع خرج من يد الجميع. ومن رحم هذا الإدراك تطفو الحكمة القديمة: كل حرب بلا رادع تتحول إلى نهر جارف لا يوفّر أحداً.

في المقابل، جاء التحرك السعودي ليُحدث تحولاً في مسار الأزمة. فطلب الأمير محمد بن سلمان من الرئيس ترامب التدخل العاجل لم يكن خطوة بروتوكولية، بل رسالة تقول إن الحريق في السودان لم يعد شأناً داخلياً، وأن المنطقة كلها مهددة باهتزازات لا تُحمد عقباها. وهذه الحقيقة يعززها درس بليغ: حين يشتعل بيت الجار، فإن أول ما يصلنا هو الدخان… ثم يصل ما هو أسوأ.

وفي موازاة ذلك، قطعت الرباعية، وهي المملكة العربية السعودية، والإمارات، ومصر، والولايات المتحدة، شوطاً كبيراً نحو اتفاق هدنة يمتد لثلاثة أشهر. وقد أسست اللقاءات المكثفة بين وفدي الدعم السريع والجيش لبوادر اختراق حقيقي، ومع اقتراب موعد التوقيع المتوقع في جدة مطلع الأسبوع المقبل، بدأت تُفتح لأول مرة نافذة تُشبه باباً للسلام. وفي هذه اللحظة الحرجة تتردد حكمة بالغة: الصلح الذي يُبنى على الخوف ينهار… أما الذي يُبنى على الاعتراف بالحقيقة فيبقى.

ظل السودانيون ينتظرون أي لحظة تنهي هذه الحرب القاسية التي شردتهم وأنهكتهم، بعد أشهر من النزوح والمعاناة والانتهاكات التي لم يسبق لها مثيل. لقد أصبح السلام بالنسبة لهم شرطاً للحياة، وليس خياراً سياسياً، وهنا تتحدث الحكمة: حين يبكي الناس من أجل السلام… فاعلم أن الحرب بلغت ذروة الجنون.

ويبقى السؤال الأكثر إلحاحاً: هل يكفي تصريح واحد لوقف أزمة تتداخل فيها جذور التاريخ مع القبيلة، والسلطة مع السلاح، والمركز مع الأطراف، والدولة مع الفوضى؟ الحقيقة واضحة: لا. فالسلام الذي يُبنى على وقف إطلاق النار وحده ليس سوى هدنة قصيرة. الأزمة السودانية تحتاج إلى مشروع يعيد تأسيس الدولة نفسها ويعالج جذور الصراع لا مظاهره. وهنا تتجلّى حكمة أخرى: البيت الذي تُرَمَّم جدرانه دون إصلاح أساسه… يسقط من أول مطر.

ولا سبيل أمام السودان سوى إعادة صياغة ما يُعرف بالعقد الاجتماعي، أي العلاقة التوافقية بين الدولة وشعبها، بحيث تضمن مشاركة كل المكونات في الحكم وصنع القرار، وتعالج التهميش والانقسامات، وتؤسس لعلاقة متوازنة بين السلطة والمواطن تقوم على العدالة والمساواة، وتضع أسساً لدولة مستقرة وقادرة على الصمود. وهنا تتجلى الحكمة: لا يُبنى وطن بالانتصار على الخصوم… بل بالانتصار على أوهام الماضي.

اليوم يقف السودان في لحظة الحقيقة: إما أن يستجيب لنداء العالم ويبدأ رحلة بناء جديدة، أو يترك نفسه ينجرف نحو هاوية قد لا يخرج منها لسنوات طويلة. وبين جدة وواشنطن والرياض والقاهرة، تُنسج خيوط فرصة نادرة—فرصة لا ينبغي التفريط فيها. فإن لم تُلتقط هذه اللحظة الآن، فقد يدخل السودان في ليل طويل يشبه الخراب أكثر مما يشبه المستقبل. وهنا تتردد حكمة أخرى: الأمم التي لا تتعلم من أخطاءها، تكررها بلا رحمة.

وما نرجوه اليوم أن يكون بيان الرئيس الأمريكي، وطلب الأمير محمد بن سلمان، وجهود الرباعية، بداية طريق يقود إلى الدولة التي يستحقها السودانيون: دولة الحرية والسلام والعدالة والتنمية. وهنا تتجلى الحكمة الأخيرة: الوطن لا يُنقذ بالكلام، بل بالعمل الذي يحقّق الكرامة لشعبه.

وفي النهاية، يبقى السودان أمام خيار واضح: أن ينهض من الرماد ليعيد كتابة تاريخه، أو أن يظل أسير الماضي المؤلم الذي طال أمده. وهنا تبرز آخر حكمة لتكون نبراساً لكل من يقرأ ويخطط: الشجاعة الحقيقية ليست في مواجهة العدو، بل في مواجهة الظلم واللامبالاة من الداخل والخارج.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!