رأي

«حين يعانق البطلُ الموتَ كما يُعانق العرس… وتنتصبُ الشجاعةُ في تمام هيئتها»

أبو عبد الله الراشدي

 

 أبو عبد الله الراشدي

لم تكن قصة الشهيد آدم حامد تيربوا حدثاً عابراً يمكن أن تبتلعه الأيام أو تنساه الذاكرة المرهَقة بالحروب. كانت لحظة فارقة، لحظةٌ تتجلّى فيها معاني البسالة في أعلى صورها، وتظهر فيها البطولة بلا زينة ولا تصنّع، كأنما خرجت من صلب التاريخ لتقول لنا: ما زال في هذه الأرض رجالٌ إذا تكلموا خرس الخوف، وإذا تقدموا تراجع الموت خطوة.

في اللحظة التي وقف فيها آدم أمام مصيره، لم يكن مجرد مقاتلٍ يتهيأ للنهاية، بل كان صورةً مكتملة من صور الفداء. وقف ثابتاً لا يأبه لما حوله، يحدّق في الموت بجرأة لا يملكها إلا أصحاب اليقين العميق والإيمان الراسخ بالقضية التي وهبوا لها أيامهم ولياليهم. لقد برهن أن الشجاعة ليست وصفاً يُقال، بل موقفٌ يُرى، وأن الرجال الحقيقيين لا يختبرون بالشعارات بل بصلابة قلوبهم حين يضيق الدرب.

كانت رسالته الأخيرة لأسرته اختصاراً لرجولة كاملة: لا وصايا طويلة، ولا كلمات مرتعشة، بل عبارة واحدة صلبة تشبه حجراً في نهر الزمن: «لا تبكوا علي يا أمي». هذه الجملة وحدها كافية لتعرّف الناس على معدنه؛ فمَن يقولها في تلك اللحظة هو رجل تجاوز خوفه، وارتقى إلى مقامٍ لا يبلغه إلا أهل العزائم.

حين وصل خبر استشهاده إلى حيّ الوحدة، لم تُفتح أبواب البكاء كما يحدث مع كل الفواجع السودانية. فتحت الأمهات حناجرهن بالزغاريد، وفتحت المدينة قلبها لتستقبل ابنها كما يُستقبل المنتصرون. كان المشهد أكبر من الموت، وأكبر من الفجيعة؛ كان إعلاناً واضحاً أن آدم، وسواه من الشباب الذين سبقوه، لم يغادروا هروباً ولا انهزاماً، بل خرجوا من الدنيا كما يليق بالأبطال: شامخين، ثابتين، تاركين خلفهم أثراً لا يُمحى.

البطولة التي تجلّت في وجه آدم ليست من تلك التي تُكتب في الروايات الخيالية، ولا من النوع الذي يصنعه الإعلام الرخيص. إنها بطولة من طبيعة أخرى؛ بطولة رجلٍ يعرف أن للقضية ثمناً، وأن للثبات ضريبة، وأن السير في طريق الوجود لا يكون إلا بشجاعة تُدهش الخصم قبل الصديق. لقد أثبت أن الصمود ليس كلمةً تُقال في البيانات، بل دمٌ يُسكب ورجالٌ يقفون في وجه الريح دون أن تنحني جباههم.

لم تكن رسالته مجرد خطاب وداع، بل كانت إعلاناً أن هذه المعركة—مهما اختلفت حولها الرؤى والتفاسير—هي امتحانٌ للشرف قبل السلاح، وابتلاء للإرادة قبل القوة. كان يعلم أن الطريق طويل، وأن حسابات السياسة لا ترحم، لكن قلبه كان يردد ما ردده الشجعان قبله: إذا كان الموت طريقاً للنصر، فمرحبا بالموت.

ومع أن الحروب لا تجلب سوى الفواجع، فإن فيها وجوهاً ترفع الرأس، وتجعلنا ندرك أن الأمم لا تُبنى بالكلام، بل بالرجال الذين يؤمنون بما يفعلون، ويُضحّون دون أن ينتظروا شكراً ولا مكافأة. آدم واحد من هؤلاء؛ رجلٌ خرج من زالنجي شاباً عادياً، لكنه عاد إليها بطلاً تُكتب حوله الروايات وتُرفع له الرايات.

رحم الله آدم، وتقبله بقدر ما قدّم من صبر وجسارة وصدق، وجعل ذكراه نوراً في زمن يعتم كثيراً. ومهما انقضت السنون، ستظل قصته شاهدة على أن في السودان رجالاً إذا وقفوا قال التاريخ: هنا مرّ بطل، وهنا وُلد معنى جديد للشجاعة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!