رأي

الثورة بين مشروع الدولة ومشروع النفوذ

محمد تاج الدين الحلو 

 

محمد تاج الدين الحلو 

لم تكن الثورة السودانية مجرد لحظة غضب عابرة، ولا مشروعًا لتغيير الوجوه أو إعادة توزيع النفوذ بين القوى السياسية والاجتماعية، وإنما كانت مشروعًا وطنيًا كبيرًا لبناء دولة جديدة تقوم على العدالة، وسيادة القانون، والكفاءة، والمواطنة المتساوية. غير أن هذا المشروع يواجه اليوم تحديات حقيقية تهدد بتحويل مساره من مشروع لبناء الدولة إلى صراع على النفوذ والمكاسب.

لقد مرت دول كثيرة بظروف مشابهة لما يمر به السودان من حروب ودمار واستقطاب جغرافي وعشائري، لكنها استطاعت أن تتجاوز أزماتها عندما امتلكت قيادة واعية، وخطابًا سياسيًا صادقًا، ورؤية واضحة لبناء المؤسسات. أما في السودان، فما زالت الأزمة تتجدد لأن تشخيصها لم يكن بالمستوى المطلوب، ولأن الخطاب السياسي لم يتحرر بعد من تأثير الولاءات الضيقة.

إن المرحلة الراهنة لا تحتاج إلى خطاب يكرس الانقسام أو يهادن العشائرية، وإنما إلى خطاب سياسي ثوري جامع يعيد الاعتبار لأهداف الثورة، ويؤكد أن معيار المشاركة في بناء الدولة هو الكفاءة والنزاهة والقدرة على الإنجاز، وليس الانتماء القبلي أو الجغرافي أو السياسي.

وفي كل مراحل التحول تنشط تيارات تحاول توجيه مشروع التغيير لخدمة مصالحها. فمن جهة، هناك تيار عشائري يسعى إلى فرض أجندته عبر الضغط المجتمعي للحصول على مكاسب تنفيذية، ومن جهة أخرى، هناك تيار ينتمي إلى الدولة القديمة استطاع أن يتسلل إلى مشروع التغيير، مستفيدًا من خبرته السياسية الطويلة لإعادة إنتاج نفوذه بأدوات جديدة.

غير أن الخطر الحقيقي يكمن في إمكانية التقاء هذين التيارين في تحالف غير معلن، يضعف المشروع الثوري، ويجعل القرار السياسي رهينًا لمعادلات النفوذ، لا لمتطلبات بناء الدولة. وعندها يصبح الثوار الحقيقيون، الذين حملوا حلم التغيير وقدموا التضحيات، خارج دائرة التأثير في مستقبل البلاد.

إن الاعتماد على المجموعات العشائرية في إدارة العملية السياسية يحمل مخاطر كبيرة، لأنه يعيد إنتاج المنهج نفسه الذي ساهم في إضعاف الدولة وانهيار مؤسساتها. كما أن تجربة الإدارات المدنية، رغم ما واجهته من ظروف استثنائية، لم تنجح في بعض جوانبها في التحرر من هذا الإرث، إذ استمرت في بعض المواقع بذات العقلية التي عززت الانتماءات الضيقة، وشجعت على المطالبة بالسلطة باعتبارها حقًا مجتمعيًا، لا مسؤولية وطنية.

وقد انعكس ذلك بوضوح على قطاع الخدمات، الذي شهد تراجعًا ملحوظًا، ووصل إلى مواقع القرار في بعض المحليات أشخاص لا يمتلكون الكفاءة اللازمة، بينما غابت كفاءات وطنية مؤهلة بسبب التنافس غير الصحي، والضغوط، واستغلال النفوذ. وأصبحت بعض المؤسسات أقرب إلى تمثيل مكونات اجتماعية منها إلى مؤسسات دولة يفترض أن تقوم على المهنية والاستقلالية.

أما قطاعا الصحة والتعليم، وهما أساس الاستقرار والتنمية، فيعيشان أوضاعًا بالغة الصعوبة. فعدد كبير من المستشفيات يعتمد بصورة شبه كاملة على المنظمات الإنسانية، في ظل غياب واضح للدور الحكومي، بينما توجد مدن لا تجد حتى هذا الدعم، فأصبحت مستشفياتها بلا كوادر طبية أو إدارية قادرة على إدارة العمل وتقديم الخدمة للمواطنين.

إن نجاح الدولة لن يتحقق إلا إذا أُعيد الاعتبار للكفاءة بوصفها معيارًا وحيدًا لتولي المسؤولية، وإذا تبنت القوى السياسية خطابًا ثوريًا جامعًا يرسخ قيم المواطنة، ويواجه كل ممارسة تعيد إنتاج الفشل أو توظف النفوذ والعشائرية على حساب المشروع الوطني.

لقد قدم السودانيون تضحيات عظيمة من أجل التغيير، ولم تكن تلك التضحيات من أجل استبدال نفوذ بآخر، أو إعادة إنتاج الأزمة بوجوه جديدة، بل من أجل قيام دولة عادلة تحترم الإنسان وتصون مؤسساتها وتحتكم إلى القانون.

ويبقى السؤال الذي ينبغي أن يواجه الجميع: هل سنواصل السير في طريق مشروع الدولة الذي حلم به الشهداء، أم سنسمح لمشروع النفوذ بأن ينتصر مرة أخرى؟ إن الإجابة لن تحدد مستقبل السلطة وحدها، بل ستحدد مستقبل السودان كله .

      محمدتاج الدين الحلو 

           8يوليو 2026

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!