
عماد جدو …كمبالا
أثارت الخطوات الأخيرة على الساحة السودانية موجة من التساؤلات حول مكانة السودان في صنع قراراته المصيرية، بعد أن طرح ولي العهد السعودي الأزمة السودانية خلال زيارته للولايات المتحدة، واستجابت واشنطن بسرعة لتلك الدعوة. المفارقة أن تدخل الرئيس الأمريكي جاء بعد إعلان السعودية عن رفع سقف تعاونها الاقتصادي مع واشنطن إلى نحو تريليون دولار، ما يعكس كيف تتحرك المصالح الدولية الكبرى بينما يغيب التأثير المحلي عن طاولة القرارات المصيرية.
داخل السودان، ما زالت القوى المدنية تعاني من انقسامات عميقة، حيث تحالف بعضها مع مكونات عسكرية أو سياسية قصيرة النفس، مثل مجموعة بورتسودان والفلول، مما أفقد الداخل قوة تفاوضية موحدة. في المقابل، شكل ميثاق التأسيس استثناءً نادراً بطرحه رؤية واضحة لإرساء أسس الدولة الحديثة، لكنه واجه مقاومة عنيفة من قوى اختارت الحياد أو الدفاع عن مصالح شخصية على حساب المصلحة الوطنية.
في السياق ذاته، كشف تراجع رئيس الوزراء السابق عن الاتفاق الأولي مع قائد قوات الدعم السريع لإنهاء الحرب عن هشاشة التوافق المدني، وإظهار مدى تأثير الضغوط الإعلامية والسياسية على قرارات الداخل. هذا التراجع أعطى مساحة أوسع للتدخلات الإقليمية والدولية، وأكد أن السودان لا يزال يعيش على أطراف قرارات تتخذ بعيداً عن إرادته الوطنية الحقيقية.
الوضع يعكس حقيقة صارخة: كلما غاب التوافق الداخلي وانهارت القدرة على بناء جبهة وطنية موحدة، زادت سيطرة الخارج في رسم مصير البلاد. التدخلات الدولية، مهما كانت نواياها، لا يمكن أن تحل محل إرادة وطنية حقيقية، فكل نجاح محتمل في وقف النزاع أو إقامة سلام مستدام يحتاج أولاً إلى رؤية وطنية جامعة، ولغة داخلية واضحة تجمع كل المكونات السياسية والاجتماعية حول هدف واحد: حماية السودان واستعادة دوره واستقلالية قراره.
خلاصة المشهد واضحة: غياب الداخل عن صنع القرار لا يترك سوى الفراغ الذي تملؤه المصالح الدولية والإقليمية، والتاريخ لا يمنح فرصة ثانية لمن يضيع اللحظات الفاصلة. السودان يحتاج اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى الوحدة الداخلية، واستثمار كل الموارد السياسية والاجتماعية لبناء أرضية حقيقية لسلام شامل، قبل أن تتحول القرارات المصيرية إلى أوراق لعب تُوزع في عواصم أخرى بعيداً عن الشعب السوداني.




