رأي

أركو مناوي واستغلال المكونات الاجتماعية: دروس من التاريخ والوعي الحديث

ادهم الضهيب

 

 أدهم الضهيب

لطالما كان الزج بالمكونات الاجتماعية في أتون الصراعات السياسية أو استهدافها على أساس عنصري وقبلي أحد الأساليب المفضلة لدى جماعات الإرهاب السياسي في الخرطوم. هذا النهج، الذي استمر لعقود طويلة تجاه مجتمعاتنا المهمشة في أقاليم دارفور وكردفان ووسط وشرق السودان، لم يهدف يومًا إلى حماية الدولة أو تحقيق الأمن، بل إلى تشويه هذه المجتمعات وتحويلها إلى واجهة لأي صراع عسكري أو سياسي لا ناقة لها فيه ولا جمل.

إن التاريخ الحديث للسودان مليء بالأمثلة التي توضح كيف استُخدمت المجتمعات المهمشة كأداة سياسية، بدءًا من سياسات التهميش الاقتصادي والاجتماعي، مرورًا بتوظيف الصراعات القبلية لإعادة إنتاج السلطة المركزية في الخرطوم، وصولًا إلى محاولات تحريف الحقائق التاريخية وتشويه أدوار المجتمعات الأصيلة التي ساهمت في تأسيس الدولة.

اليوم، يسير أركو مناوي على هذا الطريق ذاته، مستخدمًا أسلوبًا متكررًا في محاولة حشد مجتمعات الزغاوة للمشاركة في حرب ليست من صلب مصالحهم ولا تشكل لهم ضرورة وجودية. إن محاولاته الفاشلة تعكس بوضوح رغبة استغلالية ضيقة، حيث يسعى مناوي إلى جمع المكاسب الشخصية والسياسية، بينما يتمتع هو بالهدوء والأمان في بورسودان، مستفيدًا من علاقة مشبوهة مع جيش البرهان لتحقيق أهدافه الخاصة تحت ستار الصراع الوطني.

هذه الأساليب ليست جديدة على السودان. لقد سبقه إليها جيش البرهان حين حول الحرب من صراع بين مؤسسات الدولة إلى مواجهة قبلية، محاولًا تخوين مجتمعات أصيلة شاركت في بناء تاريخ السودان ومثلت ركائز الاستقلال الوطني. تضحيات أجدادنا، مثل: التعايشي، دبكة، جمعة سهل، مادبو، وغيرهم، كانت الأساس الذي قام عليه السودان الحديث. لكن دعاة الحرب ظنوا أن تخوين أحفاد هؤلاء سيجبر الجميع على الوقوف خلفهم، إلا أن الطاولة انقلبت عليهم، اجتماعيًا وسياسيًا، وما زالوا يتخبطون في ما يمكن وصفه بـ “وادي التوهان”.

اليوم، يظهر جليًا أن مجتمعات دارفور قد وعت الدرس جيدًا. إن محاولة أي قائد أو قوة سياسية استغلال أي مكون اجتماعي لأغراض شخصية لم تعد ممكنة. لقد أصبح الوعي الجماهيري والاحتكاك بالسياسة الوطنية عاملاً رادعًا، يدرك الجميع أنه لا مكان للإرهابيين أو لمستغلي الدماء بين السودانيين. الشعب السوداني، وخاصة في مناطق الهامش، قد نفض الغبار عن كاهله، وأصبح مدركًا أن الرقعة السياسية لم تعد ملكًا لأحد، وأن استمرار التبعية والتسقيط السياسي لم يعد له أثر.

كما أن درس التاريخ يعلمنا أن القوة الحقيقية للدولة لا تكمن في السلاح أو السيطرة على المكونات الاجتماعية، بل في الاعتراف بالآخر واحترام الحقوق والمصالح الجماعية. أي محاولة لإعادة إنتاج النخب العسكرية الفاشلة أو الاستعانة بالصراعات القبلية لتمرير أجندات ضيقة لن تنجح، لأن المجتمع قد أصبح واعيًا ويدرك أن مصالحه وأمنه لا يتحققان إلا من خلال وحدة وطنية حقيقية، وعدالة اجتماعية، وسيادة القانون.

في النهاية، الطريق نحو الخلاص والسودان الجديد واضح ومفتوح. لا مكان للإرهابيين أو المتسللين بالمناصب باسم العشائر أو القبل. لقد أثبتت الشعوب المهمشة أنها قادرة على حماية حقوقها، وأنها لن تعود إلى عصور الرق والتبعية الرعناء. هذه هي الرسالة التي يجب أن يفهمها كل من يسعى إلى اللعب بالمكونات الاجتماعية: الوعي الجماهيري والتاريخ لا يرحم الاستغلال السياسي، ومستقبل السودان لن يكون رهينة طموحات شخصية أو سياسات عنصرية.

إن دروس التاريخ، مع وعي المجتمع الحديث، تشكلان معًا أساسًا صلبًا لبناء سودان اتحادي متماسك، قائم على العدالة، والمساواة، واحترام التنوع، بعيدًا عن مشاريع الفوضى والهيمنة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!