رأي

خطر الإخوان المسلمين يهدد أوروبا قراءة في سياق متصاعد

سمية النور دهب .

 

سمية النور دهب .. دبلن 

يتصاعد القلق في أوروبا من تمدد نفوذ الإخوان المسلمين بعد أن أصبحت أنشطتهم ترتبط بفضاءات حساسة تمس الأمن والمجتمع والاندماج الثقافي ويجد كثيرون أن الخطر الأكبر هو ما لا يراه الناس في بداياته وهو ما ينطبق على تمدد الجماعة الذي يجري بصمت ودقة في عدة دول أوروبية حيث تعتمد على خطاب متعدد الوجوه يظهر الاعتدال في شكله الخارجي بينما ينسج شبكات تأثير أعمق خلف الأضواء وتستند هذه الاستراتيجية إلى حقيقة أن النوايا التي تخفى طويلا تتحول في النهاية إلى أفعال وهو ما يجعل صانعي القرار أكثر يقظة إزاء نشاط يستخدم العمل الأهلي والثقافي كغطاء ولكنه يرتكز على فكرة التوسع التنظيمي والعقائدي

على مستوى المجتمعات المحلية تبدو المشكلة أكثر تعقيدا فالجماعة تعمل على تشكيل فضاءات اجتماعية موازية تضعف الاندماج وتخلق هويات منغلقة وقد أثبتت تجارب عدة أن الجدران تبنى أولا في العقول قبل أن تنهض في الشوارع وهذا ما يجعل انتشار الخطاب الإخواني في بعض الأحياء الحضرية مصدر توتر حقيقي لأنه يعزز الانفصال النفسي والثقافي بين فئات من السكان ويولد شعورا بأن العلاقة مع المجتمع الأكبر علاقة تناقض لا علاقة انتماء

أما الدوائر الأمنية الأوروبية فتنظر إلى الجماعة بقلق متزايد بسبب تاريخها الطويل في بناء شبكات معقدة تمتد عبر أكثر من قارة الأمر الذي يجعل تحليل مساراتها أمرا شديد الصعوبة وقد أصبح شائعا في التقييمات الأمنية القول إن الخيوط المتشابكة تبدو ضعيفة منفردة لكنها قادرة على شد العالم إذا التقت في عقدة واحدة وهو تشبيه يؤكد طبيعة الخطر البنيوي الذي تراه بعض المؤسسات الأمنية في التنظيم

وتأتي البيئة الرقمية لتمنح الإخوان مساحة أوسع للوصول إلى الشباب عبر رسائل عاطفية وشعارات حماسية تقدم بديلا هوياتيا مغريا للشبان الذين يعيشون شعورا بالاغتراب وهو ما يجعل الكلمة حين تهمس في أذن الغاضب قد تصبح أقوى من سيف وبفضل هذه القدرة على التأثير غير المباشر اتجهت بعض الدول إلى تشكيل لجان خاصة لمراجعة أنشطة الجماعة ومسارات تمويلها وطرق عملها

ورغم أهمية الإجراءات الأمنية إلا أن جوهر التحدي يتجاوز المقاربة الأمنية الضيقة فالمطلوب أيضا تعزيز نموذج الاندماج الأوروبي وتجديد القيم التي جعلت القارة مساحة للتنوع الإنساني مع وضع حدود واضحة أمام أي تنظيم يسعى لاستغلال الحرية من أجل تقويضها فليس هناك شيء أخطر على الحرية من الذين يستخدمونها لهدمها ولهذا فإن الدول الأوروبية تجد نفسها مطالبة بصياغة توازن دقيق يحمي الحقوق الفردية وفي الوقت ذاته يمنع التنظيمات العابرة للحدود من تحويل التعدد الثقافي إلى ثغرة في البناء الديمقراطي

إن مستقبل العلاقة بين أوروبا والجماعة لن يتحدد بالشعارات بل بقدرة الدول على التعامل مع الظاهرة بوعي وقد قيل إن الوعي نصف النجاة واليقظة نصف القوة وهذا ما تحتاجه أوروبا اليوم وهي تواجه أحد أكثر التحديات تعقيدا في زمن تتغير فيه خرائط التأثير والولاءات بوتيرة غير مسبوقة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!