رأي

حربٌ بلا مبادئ… كيف استُخدمت الثورة السودانية ككبش فداء؟

مؤيد الامين

 

مؤيد الأمين

وماذا فعلت الدعاية الكيزانية بالقوى المدنية حتى أدخلتها في دوامة التوهان؟

منذ اللحظة الأولى لاشتعال الحرب بين الجنرالين، بدا واضحًا أن ما يجري ليس صراعًا حول “المدنية” أو “الكرامة” كما تزعم الأطراف، بل عملية منظمة لاغتيال الثورة السودانية في وضح النهار، حربٌ صُممت بعناية لقتل الصوت المدني، ولإعادة إنتاج شبكات السلطة القديمة التي لفظتها الجماهير في ديسمبر. ومع ذلك، ورغم وضوح المشهد لمن يقرأ ما خلف الضجيج، نجحت ماكينة الدعاية الإسلاموية (“الكيزانية”) في صناعة ضباب كثيف أربك كثيرين، ودفع بعض قوى الثورة نفسها إلى تبني سرديات ليست لها، بل معادية لها، حتى تحولت القوى المدنية من حمل راية التغيير إلى الدفاع البائس عن تهم لم ترتكبها.

 

*المعضلة الأولى: ربط قوى الثورة بالدعم السريع… لعبة استخبارية قديمة*

 

منذ اندلاع الحرب، عملت الآلة الإعلامية الكيزانية على خلط الأوراق وخلق صورة مشوهة تربط بين القوى المدنية وقوى الثورة وبين قوات الدعم السريع. الهدف لم يكن إقناع الناس بمنطق سياسي، بل صناعة “وصمة” تُشوه الثورة وتجير الرأي العام ضدها.

هذا التكتيك معروف في تاريخ التنظيم:

اربط خصمك بكيان مكروه، ثم دمرهما معًا.

 

ومع أن الثورة السودانية استمرت منذ بداياتها ترفع شعار “العسكر للثكنات”، وترفض أي سلطة مسلحة خارج الدولة، إلا أن الكيزان نجحوا في تمرير فكرة أن المدنيين يقفون مع الدعم السريع. ومع الوقت، خاصة بعد تشتت المشهد المدني، صار بعض الناس يرددون تلك الاتهامات وكأنها حقيقة.

 

*المعضلة الثانية: ادعاء حميدتي أنه “يقاتل من أجل الديمقراطية”*

 

حين أعلن قائد الدعم السريع أن الحرب هدفها “جلب الديمقراطية”، لم يكن ذلك خطابًا بريئًا. كان تناورًا محسوبًا لإغراق المشهد في فوضى أخلاقية:

كيف يزعم قائد مليشيا مسلحة، غير خاضعة للدولة أصلًا، أنه يقاتل من أجل مدنية الدولة؟

وإذا كان حقًا يقاتل للديمقراطية، فلماذا لم يلتزم بالاتفاق الإطاري الذي يفضي إلى إصلاح المؤسسة العسكرية وإخراج السلاح من السياسة؟

 

الحقيقة أن الرجلين — البرهان وحميدتي — لم يكونا مقتنعين بالاتفاق الإطاري من الأساس. كلاهما كان ينتظر الآخر ليعترض أولًا حتى يظهر هو بمظهر “الملتزم”.

فحميدتي قال بوضوح في خطابه الشهير إنه “لم يطلع على الاتفاق” واتصل بالبرهان ليسأله:

*“إذا وافقت أنا موافق.”*

وعبارة كهذه تحمل من التهديد المبطن أكثر مما تحمل من القبول.

بمعنى آخر:

*هل أنت مستعد أن تكون رجلًا بلا سلطة؟ أن تسلم كل الامتيازات للمدنيين؟*

 

وكان خطاب البرهان في المقابل يحمل رسائل مشابهة. كلاهما رفض الاتفاق، وكلاهما حاول صناعة مخرج سياسي يُبقيه في السلطة، ولم يكن لأي منهما نية صادقة لتسليم الحكم.

 

*الحقيقة المرة: الحرب صُممت لتفشيل الاتفاق وليس لإنفاذه*

 

في لحظة الصدام بين الطرفين، تكشّف ما كان مخفيًا:

الحرب لم تكن صراعًا حول الديمقراطية ولا حول “كرامة الشعب”.

كانت حربًا لمنع انتقال السلطة، وإسقاط الاتفاق الإطاري الذي هدد شبكات النفوذ داخل المؤسستين العسكرية والأمنية.

وإذا كانت القوى المدنية تظنّ أن أحد الطرفين يقاتل نيابة عنها، فقد وقعت في الفخ.

 

 

 

 

*كيف استفاد الكيزان من الحرب؟*

 

*اغتيال الثورة… وتوزيع الاتهامات مسبقة الصنع*

 

منذ اليوم الأول، أدرك الإسلامويون أن الحرب فرصة ذهبية لإعادة تدوير خطابهم القديم:

الثوار هم سبب الفوضى.

الثوار هم سبب الخراب.

الثوار هم من جرّ البلاد للحرب.

 

مع أن الثورة أصلاً هي التي حذرت من عسكرة الدولة، ورفضت الانقلابات، ونادت كل يوم بتسليم السلطة للمدنيين.

 

لكن الكيزان لعبوا لعبتهم المفضلة:

– شيطنة القوى المدنية

– ربط كل كارثة بها

– دفع الناس لنسيان من أشعل الحرب ومن سلّح المليشيات ومن كتب سيناريوهات الانهيار من الأساس

 

والأخطر أنهم استغلوا ارتباك القوى المدنية نفسها، التي انقسمت في تحليلها للحرب:

فبعضها تبنى رواية “حرب الكرامة”،

وبعضها تبنى رواية “حرب الديمقراطية”،

وفي كلتا الحالتين…

*القوى المدنية ورّطت نفسها في سرديات ليست لها، وسلمت مفاتيح الخطاب السياسي للكيزان مجانًا.*

 

 

 

 

*القوى المدنية… من قيادة الشارع إلى الدفاع عن النفس*

 

هذه واحدة من أكبر الكوارث التي صنعها الإعلام الكيزاني:

أجبر القوى المدنية على التراجع من موقع المبادرة إلى موقع الدفاع.

فبدل أن تُركز القوى الثورية على:

– المطالبة بوقف الحرب

– حماية المدنيين

– إعادة بناء مسار الانتقال

– فضح تجار الحرب

 

وجدت نفسها منشغلة ليل نهار بالرد على الاتهامات الجوفاء:

أنتم تدعمون الدعم السريع.

أنتم السبب في الحرب.

أنتم من كتب الاتفاق المشؤوم.

أنتم عمّار الخراب.

 

وبهذا سُحبت طاقة الفعل المدني نحو معارك هامشية، بينما تُركت الساحة السياسية خالية أمام آلة التلاعب الكيزانية.

 

*تيهٌ متعمد… ليس صدفة*

 

إن حالة “التيه” التي أصابت القوى المدنية ليست نتيجة ضعف تنظيمي فقط، بل نتيجة خطة واضحة:

إغراق الثورة في خطاب دفاعي، حتى لا تملك الوقت ولا الطاقة لتوحيد صفوفها أو تقديم مشروع جديد.

 

وقد نجحت الخطة لأن القوى المدنية سمحت بأن تُسحب إلى داخل معركة ليست معركتها:

معركة بين جنرالين، كلاهما ملتزم ببقاء السلطة في يد العسكريين، وكلاهما رفض الاتفاق الإطاري وإن ادعى العكس.

 

 

 

 

لماذا صدق البعض هذه الدعاية؟

 

لأن ماكينة الكيزان اشتغلت على عدة مستويات:

 

1. إعادة إنتاج نفس الأكاذيب التي استخدمت ضد أحزاب التجمع في التسعينيات

 

وهي أكاذيب تعتمد على اللعب في وعي الناس بربط أي فعل مدني بالخيانات والتآمر.

 

2. استغلال خوف الناس من الفوضى

 

وتصوير أن القوى المدنية تريد “تفكيك الجيش” أو “تسليم البلد لمليشيا”.

 

3. استخدام قنوات إعلامية ممولة جيدًا

 

تكرّر الكذبة نفسها كل ساعة حتى تصبح “حقيقة”.

 

4. اللعب على انقسام القوى المدنية نفسها

 

فلا صوت موحد، ولا موقف سياسي واضح تجاه الحرب، مما سهّل على الإسلامويين حشر الجميع في زاوية واحدة.

 

 

 

 

*ماذا يجب على القوى المدنية أن تفعل؟*

 

*استعادة البوصلة قبل فوات الأوان*

 

القوى المدنية ليست مسؤولة عن الحرب، لكنها مسؤولة عن استعادة خطابها ومشروعها، وإلا ستضيع الثورة تمامًا.

ولكي يحدث ذلك، يجب عليها:

 

1. التوقف فورًا عن تبني خطاب الجنرالين

 

*لا “حرب كرامة” ولا “حرب ديمقراطية”.*

*هذه حرب على الدولة نفسها، وعلى الثورة، وعلى المجتمع المدني.*

 

2. إنتاج خطاب موحد يعيد تعريف الصراع

 

الصراع الحقيقي هو:

مدنيون يريدون دولة… ضد طبقة عسكرية-أمنية تريد سلطة بلا رقابة.

 

3. فضح مشروع الكيزان بوضوح وبلا مواربة

 

الكيزان يريدون:

– ربط الحرب بالقوى المدنية

– ثم إلقاء اللوم على الثورة

– ثم العودة لسدة الحكم باعتبارهم “المنقذ” الوحيد

 

4. إعادة بناء تحالفات مدنية واسعة

 

تحالف لا يقوم على الشعارات، بل على برنامج سياسي واضح:

وقف الحرب — حماية المدنيين — إصلاح المنظومة الأمنية — انتقال حقيقي.

 

5. إعادة الثقة للشارع

 

وذلك لا يتم إلا بطرح مشروع واضح وليس مجرد ردود على الاتهامات.

 

 

 

 

*الخلاصة:*

 

*الثورة لم تُهزم، بل اُستهدفت… وما زالت قادرة على العودة*

 

الحرب التي أشعلتها قيادات عسكرية ليست إلا محاولة للهروب من التغيير.

ومن يتوهم أنها حرب “كرامة” أو “ديمقراطية” فهو ضحية لخطاب مدروس بذكاء.

المدنيون ليسوا طرفًا في الحرب، لكنهم تحولوا إلى ضحاياها السياسيين بسبب ضعف التنسيق، وقوة الدعاية المضادة.

 

ومع ذلك…

فإن ما يميز الثورة السودانية أنها لا تموت، بل تتراجع لتعود أقوى.

واللحظة الحالية قد تكون الأصعب، لكنها ليست النهاية.

فما دام هناك سوداني واحد يؤمن بالحرية والعدالة، سيظل مشروع التغيير حيًا، مهما حاول الكيزان إغراقه في دماء الحرب وفي ضجيج الأكاذيب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!