رأي

زيارة رئيس حركة / جيش تحرير السودان ترسم أفق المشروع المدني في السودان   

سمية النور دهب .. دبلن

 

 سمية النور دهب

في ظل استمرار الصراعات وانعكاساتها المأساوية على المجتمع السوداني، شكلت زيارة رئيس حركة/جيش تحرير السودان إلى أوروبا خطوة سياسية وإنسانية بارزة، تحمل في طياتها رسائل واضحة عن قدرة السودان على النهوض وإعادة بناء مؤسساته الوطنية. الجولة الأوروبية لم تكن مجرد لقاءات رسمية أو بيانات بروتوكولية، بل كانت منصة لإعادة تعريف السودان لدى المجتمع الدولي وإظهار أن الحل الوطني ينبع من إرادة الشعب نفسه، بعيدًا عن أي تدخلات خارجية أو حلول مؤقتة.

الزيارة ركزت على إبراز أن الحرب في السودان ليست صراعًا عابراً بين مجموعتين مسلحتين، بل نتيجة تراكمية لعقود من السياسات غير المستقرة التي أدت إلى تدمير مؤسسات الدولة وتشريد السكان وزيادة المجاعة. وأكد الوفد أن أي محاولات لحل الأزمة دون معالجة جذورها البنيوية ستكون محكومًا عليها بالفشل، وأن الحل يجب أن ينبع من مشروع مدني شامل يضمن حماية المدنيين وإشراك كافة شرائح المجتمع في صنع القرار.

ركزت الجولة كذلك على أهمية بناء جبهة مدنية واسعة تمتد من المدن الكبرى إلى الريف، ومن معسكرات النزوح إلى لجان المقاومة والنقابات، لتكون أساسًا حقيقيًا لإنهاء الحرب وتحقيق التحول الوطني. الزيارة قدمت رسالة واضحة بأن الحل لا يكمن في القوة أو المحاصصات، بل في تعزيز المشاركة المدنية والمواطنة المتساوية، وبناء مؤسسات قادرة على إدارة الدولة وفق قيم العدالة والسلام.

الأستاذ عبد الواحد محمد نور، رئيس الحركة، جسّد من خلال هذه الجولة نموذج القيادة الثابتة والناضجة، التي تجمع بين الخبرة الطويلة والفكر السياسي المتوازن. سنوات من النضال جعلته رمزًا من رموز التغيير والتحرر الوطني، قائدًا يضع حماية المدنيين في قلب كل مبادرة، ويؤكد على ضرورة اعتماد الحلول الوطنية المستندة إلى إرادة الشعب، مع المحافظة على ثوابته الوطنية والأخلاقية.

الزيارة أكدت أن المجتمع الدولي يمكن أن يكون شريكًا فعّالًا في دعم السودان، لكنه يجب أن يلتزم بدعم التحول المدني والبناء المؤسسي، بعيدًا عن دعم أطراف مسلحة أو إعادة إنتاج الصراعات السابقة. كما ركز الوفد على الأزمة الإنسانية المتفاقمة، مشيرًا إلى ضرورة وضع آليات فعّالة وشفافة لتوزيع المساعدات، بما يضمن وصولها لمن هم في أمس الحاجة إليها، وتمكين المنظمات الوطنية والمجتمعية من العمل بحرية وأمان.

الرسالة الأساسية للجولة الأوروبية هي أن البديل السياسي الذي تقدمه الحركة ليس شعارات مجردة، بل مشروع للتحول الوطني يرتكز على إعادة توزيع السلطة والثروة بعدالة، وبناء دولة مؤسسات قوية توفر المواطنة المتساوية وحماية حقوق الإنسان. كما شددت الجولة على أن السلام ليس خيارًا ثانويًا، بل ضرورة وطنية ملحة، وأن الطريق نحو السودان الجديد يبدأ ببناء جبهة مدنية قوية، ويستمر بحوار سوداني ـ سوداني حقيقي، يضمن إعادة صياغة الدولة وفق قيم العدالة والمساواة والحرية.

خلاصة الجولة أن السودان قادر على النهوض وإعادة رسم مستقبله إذا ما توفرت الإرادة الوطنية، والوعي المدني، والشراكات الدولية المبنية على الاحترام المتبادل. الرسالة التي حملها الوفد للمجتمع الدولي وللسودانيين واضحة: الطريق إلى السلام طويل لكنه ممكن، ويبدأ من الداخل عبر بناء مؤسسات مدنية قوية، ومشاركة شعبية حقيقية، تضع الإنسان وقيم العدالة في قلب كل عملية إصلاح وتحول.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!