رأي

الفدرالية في السودان أزمة نصوص ام غياب المعرفة؟

آدم بركة دفع الله عطية 

 

آدم بركة دفع الله عطية 

لم تكن أزمة الحكم في السودان يوماً مجرد صراع سياسي عابر، بل هي في جوهرها أزمة بنيوية تتعلق بكيفية توزيع السلطة داخل الدولة. وفي قلب هذه الأزمة، تبرز الفدرالية كفكرة أُسيء فهمها وتطبيقها، حتى أصبحت محل شك بدلاً من أن تكون مدخلاً للحل خاصة في عهود أنظمة النخبة المهيمنة التي جاءت بعد الاستعمار 

لكن ما يغيب عن كثير من النقاشات هو التمييز الجوهري بين الاختصاصات الدستورية والاختصاصات القانونية، وهو تمييز ليس نظرياً فحسب، بل له تأثير مباشر على استقرار الدولة أو تفككها.

فالدستور، في أي نظام فدرالي حقيقي، هو الذي يحدد بوضوح من يملك ماذا ؟ما هي سلطات المركز،؟ وما هي سلطات الأقاليم،؟ وما هي المساحات المشتركة بينهما.؟ هذه هي الاختصاصات الدستورية، التي تمثل “قواعد اللعبة” التي لا يجوز تجاوزها. أما القوانين، فهي مجرد أدوات لتنظيم التفاصيل، وليست بديلاً عن هذا التحديد.

المشكلة في السودان أن هذه القاعدة الأساسية تم تجاوزها مراراً. ففي الوثيقة الدستورية بعد الثورة، كما في نراه في الدستور الانتقالي لسنة ٢٠٢٥م ، تم الاكتفاء بنصوص عامة وفضفاضة يحدد فيه اختصاصات مستويات الحكم بصورة واضحة ورأينا المعضلة في اكمال هياكل السلطة في الأقاليم ، وبل إحالة القضايا الجوهرية إلى القوانين. وهنا يكمن الخلل حين تُترك قضايا توزيع السلطة للقانون، فإنها تصبح عرضة للتغيير وفق موازين القوى السياسية، لا وفق مبادئ دستورية مستقرة.

وهذا ما حدث بالفعل في تجارب سابقة، حيث استُخدمت القوانين لتكريس هيمنة المركز، حتى في ظل وجود نصوص فدرالية شكلية. فبدلاً من أن تكون الأقاليم شريكاً في الحكم، تحولت إلى وحدات إدارية تتلقى التعليمات، بينما بقيت السلطة الحقيقية محتكرة في المركز.

إن الفدرالية لا تفشل لأنها فكرة خاطئة، بل لأنها تُفرغ من مضمونها عندما لا تُحمى دستورياً. فبدون نصوص دستورية واضحة تحدد الاختصاصات، لا يمكن الحديث عن حكم لامركزي حقيقي، بل عن مركزية مقنّعة.

والأخطر من ذلك، أن غياب هذا الوضوح يفتح الباب أمام النزاعات بين مستويات الحكم، خاصة في ما يتعلق بالموارد لأن بحكم تواجدي وعملي في مستويات الولائية اسمع اسئلة هل هي ملك للمركز أم للأقاليم؟ ومن يقرر كيفية توزيعها؟ هذه الأسئلة لا يمكن تركها لقانون عادي، بل يجب أن تُحسم دستورياً، ثم تُنظم قانونياً.

ومن هنا تبرز أهمية إنشاء محكمة دستورية مستقلة، تكون قادرة على الفصل في مثل هذه النزاعات، وضمان احترام الحدود بين السلطات. فالدستور بلا حارس قضائي ليس سوى نص قابل للتأويل حسب المصالح كما في عهد النظام السابق تعمد تغيب المحكمة الدستورية.

كما أن إنشاء آلية عادلة وشفافة لتوزيع الموارد القومية يظل شرطاً أساسياً لنجاح أي نظام فدرالي. فالشعور بالظلم في توزيع الثروة كان، ولا يزال، أحد أهم أسباب الصراع في السودان إذا لم تحسم تظل اسباب النزاع قائما .

إن الفدرالية الحقيقية ليست مجرد تقسيم إداري، بل هي عقد سياسي يقوم على الثقة، وهذه الثقة لا تُبنى إلا حين تكون القواعد واضحة وثابتة. لذلك، فإن أي حديث عن فدرالية دون تحديد دستوري دقيق للاختصاصات، هو حديث ناقص، وربما مضلل.

في نهاية المطاف، السؤال ليس: هل نريد فدرالية أم لا؟ بل: هل نملك الشجاعة لوضعها في إطار دستوري واضح يمنع التلاعب بها؟

فالسودان لا يحتاج إلى مزيد من القوانين، بقدر ما يحتاج إلى دستور واضح… يُحترم.

 ادم بركة دفع الله عطية 

ضابط اداري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!