
صلاح جلال
لقد أثبتت التجارب السابقة أن الكيزان لديهم قدرة فائقة على إفساد كل المبادرات الرامية لوقف الحرب في السودان. هذه القدرة لم تأتِ من فراغ، بل هي نتيجة تراكم خبراتهم الطويلة في التحكم بالساحة الداخلية واستغلال نقاط الضعف لدى الأطراف الأخرى، إلى جانب قدرتهم على استثمار بعض التناقضات الدولية لمصلحتهم. لكن السؤال الأساسي الذي يفرض نفسه اليوم هو: لماذا نستمر في توقع نجاح أي مبادرة جديدة دون دراسة دقيقة لما حصل في السابق؟
أول آلياتهم، هي الهيمنة على الرأي العام، سواء داخلياً أو خارجياً. لقد استطاع الكيزان صناعة وهم بأنهم يمثلون غالبية الشعب، متحكمين في الخطاب الإعلامي والمؤسساتي، ما يجعل سرديتهم هي الأكثر وضوحاً وانتشاراً، ويجعل أي صوت مضاد ضعيف التأثير. هذا التحكم في الرأي العام يمنحهم ميزة هائلة لإعاقة أي مبادرة أو خطة سلام.
ثانياً، السيطرة على القرار داخل القوات المسلحة. الكيزان نجحوا في التأثير على القيادة العليا من خلال الإغراء والتخويف، واستبعاد كل من قد يشكل معارضة، مما أدى إلى أن تصبح أدوات التأثير داخل القوات المسلحة في أيديهم حصرياً. النتيجة هي سيطرة شبه كاملة على أي توجه عسكري مرتبط بمبادرات السلام، وإلغاء أي صوت آخر قبل أن يظهر على الساحة.
ثالثاً، السيطرة على وزارة الخارجية واستخدام أجهزة الأمن والمخابرات كأدوات لإفساد المبادرات. عبر هذه الآليات، استطاع الكيزان تعطيل جهود دولية كبرى، مثل منبر جدة بقيادة السعودية والولايات المتحدة، ومنبر المنامة بمشاركة عدة دول، ومبادرات الإيقاد والاتحاد الأفريقي، ومبادرة جنيف في عهد المبعوث الدولي السابق. كل هذه التجارب أثبتت أن القدرة على الإفساد متجذرة في سيطرة الكيزان على آليات القرار الداخلي واستغلال الثغرات الدولية لصالحهم.
في ضوء ذلك، تبرز أسئلة موضوعية وحرجة: هل قامت القوى المدنية والديمقراطية بدراسة متكاملة لأسباب نجاح الكيزان في تعطيل المبادرات السابقة؟ هل تم تحديد الأدوات والأساليب المستخدمة من قبلهم؟ وهل تم تطوير آليات لمواجهة هذا الأسلوب بشكل جماعي ومنهجي؟ وهل هناك مراجعة حقيقية لقدرات القوى المدنية في الداخل والخارج لتعزيز فرص نجاح أي مبادرة مستقبلية؟
إن عدم الإجابة الجماعية والمنهجية عن هذه الأسئلة يجعل من أي توقعات بنجاح المبادرة الحالية مجرد افتراضات غير مدعومة بالتحليل الواقعي. ليس هناك ما هو أكثر خطورة من الاعتماد على العفوية أو الإجراءات التقليدية دون دراسة دقيقة للمعطيات، وحصر نقاط القوة والضعف، وتقييم الفرص والبدائل الممكنة لتحقيق السلام.
الخلاصة واضحة: قدرة الكيزان على إفشال المبادرات ليست صدفة، بل نتيجة تراكم خبرات، واستغلال للساحة الداخلية، وضعف التحرك المدني الديمقراطي المنسق داخلياً وخارجياً. ولضمان أي نجاح في المستقبل، يجب أولاً دراسة هذه التجارب السابقة بدقة، ووضع استراتيجيات عملية، وتطوير آليات مواجهة منهجية تحمي أي مبادرة جديدة من الانهيار قبل أن تبدأ.




