
حسن النعمان
ما أشقّ على الأمم أن تواجه ماضيها بصدق، وما أسهل عليها أن تصنع أمجادًا من الروايات، وتبني شرعياتها على ذاكرةٍ انتقائية تُخفي ما لا تريد الأجيال أن تراه. غير أن التاريخ ليس كتابًا يُعاد تأليفه وفق أهواء المنتصرين، بل هو سجلٌّ حيٌّ يحتفظ بالأحداث كما وقعت، ويعود دائمًا ليطالب بالحقيقة مهما طال الزمن.
واليوم يقف السودان أمام سؤالٍ مصيري يتجاوز السياسة إلى جوهر الدولة نفسها: هل يمتلك الذين تعاقبوا على حكم البلاد منذ الاستقلال شجاعة الاعتذار الوطني عن إخفاقات الماضي وسياساته؟
إن المقصود ليس اعتذارًا عن خطأ عابر أو قرارٍ منفرد، وإنما مراجعة وطنية شاملة لعقودٍ طويلة يرى كثيرون أنها شهدت اختلالًا في توزيع السلطة والثروة وفرص التنمية بين أقاليم السودان، حتى ترسخ لدى قطاعات واسعة شعورٌ بالتهميش والإقصاء، وتراجع الإحساس بالمواطنة المتساوية.
فالجرح الذي لا يُعترف به لا يندمل، والظلم الذي لا يُراجع يتحول إلى إرثٍ تتوارثه الأجيال، وتصبح معالجته أكثر تعقيدًا مع مرور الوقت. لذلك فإن بناء المستقبل لا يمكن أن يقوم على إنكار الماضي، بل على فهمه والاعتراف بأخطائه واستخلاص الدروس منه.
لقد امتلك السودان، ولا يزال، كل المقومات التي تؤهله ليكون من أكثر الدول استقرارًا وازدهارًا؛ تنوعًا بشريًا وثقافيًا، وموارد طبيعية هائلة، ومساحات واسعة من الأراضي الخصبة، غير أن سوء إدارة هذا التنوع، في نظر كثيرين، حوّله من مصدر قوة إلى أحد أسباب الأزمات المتلاحقة.
فالاعتذار الوطني ليس فعل ضعف، ولا اعترافًا بالهزيمة، بل هو تعبير عن نضج الدولة وثقتها بنفسها. فالدول القوية لا تُقاس بقدرتها على تبرير أخطائها، وإنما بقدرتها على تصحيحها، لأن الاعتراف بالخطأ هو المدخل الطبيعي للإصلاح، وليس نهاية الشرعية.
أما الخوف من الاعتذار، فغالبًا ما يرتبط بالخوف من استحقاقات العدالة والمساواة وإعادة بناء العلاقة بين الدولة ومواطنيها على أساس الحقوق المتساوية، بعيدًا عن الامتيازات التاريخية أو الهيمنة السياسية.
واليوم، بعد سنوات الحرب والانقسام والنزوح والدمار، لم يعد السؤال الحقيقي: من انتصر ومن انهزم؟ بل أصبح السؤال الأهم: ماذا بقي من الوطن؟ وكيف يمكن إعادة بناء الثقة بين السودانيين؟
إن الوطن لا يحتاج إلى مزيد من الشعارات بقدر ما يحتاج إلى عدالة تُشعر كل مواطن بأنه شريك كامل في دولته، ولا يحتاج إلى خطابات تعبئة، بل إلى مشروع وطني يعيد الاعتبار للمواطنة وسيادة القانون والمساواة أمام المؤسسات.
ومن هنا تبرز أهمية مفهوم التأسيس باعتباره مشروعًا لإعادة بناء الدولة على قواعد جديدة، لا تقوم على الانتقام أو استبدال هيمنةٍ بأخرى، وإنما على إقامة دولة يتقدم فيها الإنسان على السلطة، والعدالة على النفوذ، والمواطنة على الانتماءات الضيقة، وسيادة القانون على إرادة الأفراد.
فالتأسيس الحقيقي لا يهدف إلى إعادة إنتاج الصراع، وإنما إلى إنهاء أسبابه، عبر عقدٍ اجتماعي جديد يضمن الحقوق والواجبات لجميع السودانيين دون تمييز، ويؤسس لدولة تستمد مشروعيتها من العدالة والرضا الشعبي، لا من موازين القوة.
إن الاعتذار الوطني، بهذا المعنى، ليس خاتمة الطريق، بل بدايته؛ فهو الجسر الذي تعبر عليه الأمم من ذاكرة الصراع إلى أفق المصالحة، ومن ثقافة الغلبة إلى ثقافة الشراكة، ومن دولة الامتيازات إلى دولة المواطنة.
فالأوطان لا تُبنى بالقوة وحدها، ولا تستقر بالسلاح وحده، وإنما تستقر حين يشعر مواطنوها بأن العدالة تشمل الجميع، وأن القانون يحمي الجميع، وأن الدولة تقف على مسافة واحدة من الجميع.
إن السودان الجديد لن يولد بمجرد تبدل الحكومات أو تغير موازين السلطة، وإنما يولد عندما يصبح الإنسان غاية الدولة، والعدل أساس الحكم، والمواطنة معيار الحقوق، والإنصاف قاعدة إدارة التنوع.
فالاعتذار هو مفتاح التأسيس، والتأسيس هو أساس بناء السودان الذي يتطلع إليه أبناؤه؛ سودان يقوم على الاعتراف بالماضي، وتصحيح أخطائه، والانطلاق نحو مستقبلٍ تتقدم فيه العدالة على الامتياز، والوطن على المصالح الضيقة، والإنسان على السلطة. ففي ذلك وحده يكمن الطريق إلى سلامٍ مستدام، ودولةٍ تستحقها الأجيال القادمة.




