
ب عبد الرحمن أبو رندة .. بنسلفانيا
من يعبث بعقول الناس عبر الكلمات، يكون قد بدأ حربًا بلا أسلحة.
في السنوات الأخيرة، برز إعلام جماعات الهوس الديني وقوى الردة كأحد أخطر أدوات التضليل في السودان والمنطقة. هذا الإعلام لا يكتفي بتقديم الأخبار، بل أصبح آلة منهجية لإعادة إنتاج الخطاب المتطرف وإعادة تشكيل وعي الجمهور بما يخدم أجندات سياسية ودينية ضيقة. هو إعلام لا يعرف الاعتراف بالخطأ، ولا يملك شجاعة التعامل مع الحقائق حين تُكشف أكاذيبه، بل يواصل تكرار الكذب وكأن الحقيقة مجرد عبء يجب تجاوزه.
الأخطر من ذلك، أن هذا الإعلام نجح في استثمار مخاوف الناس من الفوضى والاضطراب، واستغلال شعورهم بعدم الأمان، ليبني شبكة من الأخبار المفبركة والدعاية التي تصب في صالح جماعات لا تعترف بالدولة ولا بالقانون. الجمهور، من جانبه، يُصبح أسيرًا لهذه المنظومة حين يستسلم للتهويل والخوف، في حين أن الحقيقة والوعي النقدي يُهملان بشكل شبه كامل.
إن استمرار هذا الإعلام في التضليل له آثار خطيرة على المجتمع. فهو يقوض مؤسسات الدولة المدنية والأمنية، ويخلق بيئة خصبة لنشر الفتن، ويجعل أي حوار وطني صادق شبه مستحيل. كل موقف، كل تقرير، كل تقرير تحليلي مُسوَّق بشكل منحاز، هو محاولة لإعادة إنتاج نفس الهياكل القديمة التي قادت البلاد إلى أزمات مستمرة، ويجعل إعادة بناء الدولة أمراً صعب المنال.
من لا يبحث عن الحقيقة بنفسه، يعيش في سجن من الوهم.
إن مسؤولية الجمهور اليوم أكبر من مجرد متابعة الأخبار، بل تتعدى ذلك لتصبح مسؤولية الدفاع عن وعيه وعقله. فكل دقيقة يُسمح فيها لهذا الإعلام بالسيطرة على الحوار العام، كل ثانية يُترك فيها الجمهور أسيرًا للشعارات والأوهام، هي دقيقة تُفقد الوطن فرصة إصلاحه وبناء مؤسساته. القوة الحقيقية في مواجهة هذا الإعلام ليست في الانتقاد فقط، بل في القدرة على التمييز، والفصل بين الحقيقة والزيف، ومقاومة الانسياق وراء الخطابات الطائفية والأيديولوجية.
لقد أصبح واضحًا أن الإعلام الذي يقوده هذا التيار لا يسعى للإعلام بمعناه الحقيقي، بل يسعى لإعادة إنتاج ثقافة الردة والهوس الديني، ليضمن بقاء شبكاته وأفكاره في مواقع القوة والنفوذ. ولذلك، فإن أي مشروع إصلاحي أو تحرك نحو دولة مدنية حديثة لا يمكن أن ينجح ما لم يتم تخليص المجال العام من هذه الهيمنة الإعلامية.
إن السبيل للخروج من هذه الحلقة المفرغة يبدأ بخطوة بسيطة لكنها مصيرية: رفض الخضوع للتلاعب الإعلامي، وتطوير الوعي النقدي لدى الجمهور، وتمكينه من الاطلاع على الحقائق دون وساطة الأيديولوجيا أو المصالح الضيقة. إذ لا يمكن لأي مجتمع أن يبني مستقبله على أكاذيب تكررها وسائل الإعلام يوميًا، ولا على خطاب يستغل خوف الناس وحاجتهم للطمأنينة.
على كل من يمتلك قدرًا من وعيه وعقله أن يقول بصراحة: كفى للتهويل، كفى للتضليل، وكفى لإعادة إنتاج الهوس الديني عبر الإعلام. إذ أن التغيير يبدأ من رفض أن يكون المواطن مجرد مستهلك للأوهام، ومن التمسك بالحقائق مهما كانت صعبة أو مؤلمة.
في مواجهة إعلام جماعات الهوس الديني وقوى الردة، يصبح وعي الجمهور وحكمه النقدي سلاح الأمة الحقيقي، والأداة التي يمكن أن توقف آلة التضليل قبل أن تتحكم في مسار الدولة والمجتمع. كل خطوة نحو الحقيقة هي خطوة نحو الحرية، وكل دقيقة يقضيها الناس في متابعة الأكاذيب هي دقيقة تُضاعف من أزمات المستقبل.




