
محمد تاج الدين الحلو
لم يكن غريباً أن تهرع جماعات الهوس الديني إلى إطلاق شائعة وفاة اللواء فضل برمة ناصر بنوبة قلبية، في لحظة كانت فيها الحقيقة تتقدم خطوة واسعة على يد القوى الوطنية. فمثل هذا السلوك لم يعد مجرد انحراف مهني أو تجاوز أخلاقي، بل أصبح منهجاً كاملاً لإعلام يعيش على الفوضى ويقتات من ترويج الوهم.
ظهور اللواء فضل برمة على قناة الجزيرة مباشر، وما حمله من وضوح في الرؤية وقوة في الحجة وكشف متماسك لزيف الخطاب الذي تتبناه جماعة الإسلام السياسي، كان كافياً ليدفع ماكينة التضليل إلى حافة التوتر. وفي مناخ كهذا، لا يجد دعاة الفوضى سوى الإشاعات سلاحاً يحاولون به خنق صوت الحقيقة.
لقد وصلت هذه الحملات إلى مستوى يوضح أن “حين تعجز الحجة، يعلو صوت التضليل”، وأن غياب المصداقية يدفع أصحاب الخطاب المأزوم نحو افتعال الصدمات، أملاً في إرباك الجمهور وإعادة تدوير رواية فقدت أي قبول شعبي. ومن هنا جاءت شائعة موت رجل لا تزال بصمته السياسية والإنسانية حاضرة في المشهد الوطني، محاولة يائسة لإسكات صوت اعتدال ظل مزعجاً لخطاب الكراهية والتطرف.
وفي الوقت ذاته، جاءت تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حول الاتجاه لتصنيف جماعة الإسلام السياسي السودانية تنظيماً إرهابياً، لتضيف مزيداً من الارتباك على هذه المجموعات، التي حاولت تغطية الحدث بخلق ضجيج يائس، ظناً أن كثافة الأكاذيب قد تحجب ما يجري في الواقع. ولكن الحقيقة أن “الأوطان لا تُهزم بالكذب، بل يهزم الكذب حين يجد شعباً لا ينخدع”.
إن أخطر ما في هذه الحملات ليس محتواها السطحي فحسب، بل توقيتها وحجمها وطبيعة الجهات التي تقف وراءها. فالإشاعات التي تُطلق حول صحة القيادات الوطنية ليست مجرد مناوشات دعائية، بل جزء من استراتيجية تهدف إلى ضرب الثقة العامة وإضعاف الوعي في لحظة تحتاج فيها البلاد إلى قدر أعلى من التماسك والوضوح.
ولعل ما يجب التأكيد عليه هنا هو أن مثل هذه الحملات لا تكشف فقط مستوى الانحدار الأخلاقي الذي بلغه الخطاب المأزوم، بل تكشف أيضاً حجم الخوف من القيادات الوطنية التي لم تتورط في الحرب، ولم تساوم على وحدة السودان، ولم تتاجر بدماء المواطنين. ولذلك فإن أي استهداف لهم هو في جوهره اعتراف ضمني بتأثيرهم.
وما دامت ماكينة التضليل مستمرة في هذه الأساليب، فإن واجب القوى الوطنية أن تواصل كشف الحقائق، وأن تقف في مواجهة الدعاية السوداء بالوعي والاتزان والقيم. “فكل إشاعة تُطلق ضد الشرفاء هي اعتراف غير معلن بخوف الخصوم منهم”، وهذه حقيقة تتكرر منذ عقود ولن يستطيع أحد تجاوزها.
يبقى أن الصوت الوطني الواضح سيظل أقوى من ضجيج الإشاعة، وأن الحقيقة، مهما حوربت، ستجد طريقها دائماً إلى الناس… لأن ما يبنى على الكذب ينهار، وما يقوم على الحق يثبت.



