قوات الدعم السريع والمشتركة وجهًا لوجه في تخوم الدبة… فهل يكون النور القبة حصان طروادة؟
عمار سعيد

بقلم عمار سعيد
في مسرحٍ يتجاوز كونه مواجهة عسكرية تقليدية، تبدو تخوم الدبة اليوم وكأنها عقدة تتقاطع عندها خرائط السلاح مع خرائط القبيلة، وحسابات القيادة مع رواسب التاريخ. وفي قلب هذا المشهد، يبرز انشقاق القائد النور القبة وانضمامه إلى الجيش السوداني كحدث لا يمكن قراءته بمعزل عن هذه الطبقات المعقدة من الصراع.
انشقاق يتجاوز البعد العسكري
لم يكن انتقال النور القبة مجرد تحوّل في الولاء العسكري، بل خطوة تحمل دلالات اجتماعية عميقة. فالرجل ينتمي إلى مكون قبلي عربي ظل تاريخيًا جزءًا من الحاضنة الصلبة لقوات الدعم السريع، وهو ما يجعل خروجه أشبه بخلخلة داخل البنية الاجتماعية قبل أن يكون إعادة تموضع ميداني.
لكن هذه الخطوة تكتسب أبعادًا أكثر تعقيدًا عندما توضع في مواجهة مباشرة مع القوات المشتركة، التي تستند بدورها إلى مكون قبلي آخر معروف، يُشار إليه في الأدبيات المحلية بـ”عطر منشم”—وهو توصيف لا يخلو من دلالة على عمق التوترات والخصومات التاريخية.
بين “عطر منشم” والقبائل العربية… تاريخ من الثأر المؤجل
الصراع بين هذه المكونات ليس وليد الحرب الحالية، بل هو امتداد لتراكمات طويلة من الاحتكاكات والثارات التي لم تجد طريقها إلى تسويات مستدامة.
هذه الثارات، وإن خفت صوتها أحيانًا تحت ضغط التحالفات العسكرية، إلا أنها لم تختفِ، بل ظلت كامنة تنتظر لحظة الانفجار.
ومع دخول هذه المكونات في تحالفات عسكرية متقابلة، يصبح الصراع أكثر خطورة، إذ يتحول من نزاع سياسي/عسكري إلى صراع مشحون بالذاكرة الجمعية، حيث تختلط الحسابات الاستراتيجية برغبات الانتقام.
الولاية الشمالية… احتقان تحت الرماد
في موازاة ذلك، شهدت الولاية الشمالية خلال الفترة الأخيرة حالة من الاحتقان الشعبي المتصاعد، على خلفية ما تم تداوله على نطاق واسع في وسائل التواصل الاجتماعي من تجاوزات وتعديات نُسبت إلى عناصر من القوات المشتركة.
هذه الممارسات، التي قيل إنها جرت تحت سمع وبصر قيادة الجيش، خلقت فجوة نفسية بين بعض مكونات المجتمع المحلي وهذه القوات، ووضعت القيادة العسكرية أمام تحدٍ مزدوج:
الحفاظ على التحالفات الميدانية، دون خسارة الحاضنة الشعبية.
ورغم أن هذا الغضب لم يتحول إلى انفجار علني، إلا أن المؤشرات توحي بأن “الجمر دُفن تحت الرماد”—ليس اقتناعًا، بل خوفًا من سيناريوهات أكثر تعقيدًا قد تفتح أبواب فوضى أوسع
النور القبة… بين الانشقاق وإعادة التوظيف
في هذا السياق المشحون، يكتسب انضمام النور القبة دلالات تتجاوز مجرد تعزيز عسكري للجيش.
فالرجل، بحكم انتمائه القبلي وخبرته الميدانية، قد يشكل:
• جسرًا لإعادة استقطاب المكونات العربية داخل معادلة الجيش
• أداة لإعادة التوازن في مواجهة نفوذ القوات المشتركة داخل الشمال
• أو… مدخلًا لاختراق معكوس، إذا ما صحّت فرضية “حصان طروادة”
هل يعيد البرهان تشكيل معادلة الشمال؟
السؤال الذي يفرض نفسه هنا ليس فقط حول نوايا القبة، بل حول استراتيجية القيادة العامة نفسها.
هل يسعى الفريق أول عبد الفتاح البرهان إلى:
• إعادة هندسة التحالفات العسكرية في الشمال بحيث لا تظل الكفة راجحة لمكون واحد؟
• خلق توازن قبلي/عسكري يمنع أي طرف من الانفراد بالنفوذ؟
• امتصاص الغضب الشعبي عبر إدخال عناصر جديدة ذات قبول اجتماعي في المنطقة؟
أم أن ما يحدث هو مجرد تفاعل تكتيكي مع تطورات الميدان، دون وجود رؤية استراتيجية متكاملة؟
حصان طروادة… أم صمام أمان؟
هنا تعود فرضية “حصان طروادة” لتفرض نفسها، ولكن بصيغة أكثر تعقيدًا:
• قد يكون القبة أداة اختراق داخل الجيش
• وقد يكون في المقابل أداة توازن داخل منظومة تعاني من اختلالات داخلية
وفي الحالتين، فإن وجوده في تخوم الدبة، وفي هذا التوقيت تحديدًا، لا يمكن اعتباره صدفة.
خاتمة: معركة الظلال قبل معركة السلاح
ما يجري في شمال السودان اليوم ليس مجرد حشد قوات، بل إعادة تشكيل صامتة لمعادلات القوة، حيث تلعب القبيلة دورًا لا يقل تأثيرًا عن السلاح، وتتحول الانشقاقات إلى أدوات استراتيجية، لا مجرد أحداث عابرة.
وبين احتقانٍ مؤجل، وثاراتٍ مؤجلة، وتحالفاتٍ هشة، يبقى السؤال مفتوحًا:
هل ينجح البرهان في ضبط هذه المعادلة الدقيقة… أم أن “الجمر تحت الرماد” سيفرض منطقه في لحظة لا يمكن السيطرة عليها؟




