رأي

البرهان بين التلون السياسي وضغط الرباعية: رهان خاسر على الكيزان ورفض مرتبك للهدنة

مؤيد الأمين

 

 مؤيد الأمين

في الأيام الأخيرة وجد الفريق عبد الفتاح البرهان نفسه في زاوية ضيقة لم يتوقع أن يصل إليها بهذه السرعة. فالرجل الذي ظل يناور لسنوات بين الخطابات المتناقضة والولاءات المتبدلة، اصطدم هذه المرة بجدار دولي صلب: قرار الرباعية الدولية — الولايات المتحدة والسعودية والإمارات ومصر — بالسعي لفرض هدنة جديدة تتبعها عملية شاملة لإنهاء الحرب في السودان.

لكن المفاجأة الأكبر التي أربكت حساباته كانت الإشارة الواضحة — لأول مرة بهذا الوضوح — إلى ضرورة إبعاد الإسلامويين الكيزان من المشهد السياسي وتصنيفهم كجماعة إرهابية في المستقبل القريب.

هذه الإشارة كانت بمنزلة الصدمة، ليس فقط للكيزان، ولكن للبرهان نفسه. فالرجل، رغم ادعائه الدائم بأنه يقف على مسافة واحدة من كل القوى، ظل عمليًا رهينًا لسيطرة الجماعة على الجيش والإدارة والقرار السياسي. وعندما جاء الضغط الدولي مطالبًا بإبعادهم، وجد البرهان نفسه أمام خيارين:

إما أن ينحاز لمصلحة الشعب وإيقاف الحرب… أو يواصل الارتهان للكيزان.

فاختار الثاني دون تردد.

خطاب مرتبك ومحاولة لاستدرار العاطفة

خطاب البرهان الأخير كان واحدًا من أكثر خطاباته ارتباكًا وضعفًا. فقد حاول تقديم نفسه كمدافع عن سيادة السودان في مواجهة ما سماه تدخلات الرباعية، وذهب إلى حد الادعاء بأن الدول الأربع طالبت بإعادة هيكلة الجيش والأجهزة الأمنية، واصفًا ذلك بأنه خط أحمر.

لكن ما قاله البرهان لم يكن سوى تشويه متعمد لخطاب الرباعية، ومحاولة واضحة لإثارة العواطف الوطنية لدى جمهور فقد ثقته فيه منذ وقت طويل. فالمعروف أن مطلب إعادة الهيكلة ليس مساسًا بالسيادة، بل هو شرط أساسي لوقف الحرب ومنع تكرارها، وهو ذات المطلب الذي ظل الشعب السوداني بما فيه قيادات الجيش المهنية ينادي به لسنوات.

ظهر البرهان في الخطاب كمن يحاول الإمساك بآخر خيط لشعبيته، رغم أن الواقع يقول إن شعبيته تآكلت، وأن الرأي العام بات يرى بوضوح اصطفافه الكامل مع الكيزان الذين كانوا وما يزالون الطرف الأكثر تمسكًا بالحرب ورفضًا لأي عملية سياسية.

هل كان البرهان يتوقع القرار؟

الواضح أن البرهان لم يتوقع أن يصل الضغط الدولي لهذه الدرجة، ولم يتوقع أن توصِف أطراف مؤثرة بعضها حليفة تقليديًا الإسلامويين بأنهم جزء من المشكلة وأن استمرارهم في المشهد يعني استمرار الحرب.

فالجيش، طوال عقود، كان إدارة ملحقة بالتنظيم الإسلاموي، والقيادات العليا اليوم لا تزال تتلقى تأثيرهم المباشر. ولذلك فإن أي خطوة لإبعادهم تعد تهديدًا وجوديًا للدوائر التي تحيط بالبرهان، والتي يستمد منها سلطته ونفوذه داخل المؤسسة العسكرية.

لهذا السبب كانت ردة فعله عصبية وغير محسوبة.

رهان البرهان على الكيزان رهان خاسر

مهما حاول البرهان إنكار وجود الكيزان في هذه الحرب، فإن الجميع داخل السودان وخارجه يعرفون الحقيقة:

هم من يديرون غرف العمليات، ويحرضون على استمرار النزاع، ويرفضون أي مسار للسلام.

والأهم:

هم الطرف الوحيد الذي يخشى الهدنة، لأنها تعني تلاشي نفوذهم وظهور حقيقة دورهم في إشعال الحرب منذ بدايتها.

برهان اليوم ليس لاعبًا حرًا. رهانه على الجماعة المتأسلمة أعماه عن قراءة الواقع الجديد: فالرباعية فقدت صبرها، والمزاج الدولي يميل إلى فرض حلول حاسمة، والشارع السوداني لم يعد يحتمل المزيد.

وبينما تتجه كل الأطراف بما فيها الولايات المتحدة إلى تشكيل مقاربة جديدة تقوم على استبعاد الكيزان تمامًا من أي ترتيبات مستقبلية، يصر البرهان على التشبث بهم، وكأنه يختار الغرق معهم بدل إنقاذ نفسه والبلد.

ما هو مخرجه الآن؟

السؤال الأكثر تداولًا اليوم في الشارع السوداني هو: كيف سيخرج البرهان من هذه الورطة؟

الحقيقة أن خياراته ضيقة للغاية:

1. قبول الهدنة: وهو ما يعني عمليًا القبول بإبعاد الكيزان، وهذا سيعد خيانة بالنسبة لدوائره التي تحميه.

2. رفض الهدنة: وهو الخيار الذي اتخذه الآن، لكنه سيضعه في مواجهة مباشرة مع الرباعية، وقد يؤدي إلى رفع الغطاء الدولي عنه وربما فرض إجراءات أشد

3. التلون والمناورة: وهي طريقته المعتادة، لكن هذه المرة قد لا تنقذه. فقد تغير مزاج المجتمع الدولي، ولم يعد يقبل بالكلمات المنمقة والخطابات الفارغة.

ماذا نتوقع في الأيام القادمة؟

استنادًا إلى الأحداث المتسارعة يمكن توقع عدة سيناريوهات:

زيادة الضغط الدولي على البرهان لقبول الهدنة، قد يصل إلى عقوبات أو تجميد دعم بعض الدول.

صراع داخلي متوقع داخل مؤسسات الجيش بين القيادات المهنية وتيار الكيزان، خصوصًا بعد وضوح موقف الرباعية.

محاولات جديدة من البرهان لاستدرار التعاطف الشعبي عبر خطاب السيادة واتهام الخارج بالتدخل.

محاولة من الكيزان لجر البلاد إلى تصعيد عسكري أوسع لإفشال الهدنة وخلق واقع جديد على الأرض.

وفي المقابل، قد تظهر بوادر توافق دولي وإقليمي يمهد لمرحلة انتقالية بلا كيزان، ما سيضع البرهان أمام خيارين لا ثالث لهما:

إما الانضمام… أو العزلة.

خلاصة

رفض البرهان للهدنة ليس موقفًا وطنيًا كما حاول تصويره، بل هو انحياز صريح لجماعة أعلن عمليًا استبعادها من المشهد. إنه دفاع عن كيان فقد شرعيته الداخلية والدولية، وارتبط بالحرب والفساد والعنف.

وفي وقت ينتظر فيه السودانيون بصيص أمل لوقف النار، يصر البرهان على البقاء في خندق واحد مع الكيزان، رغم أن العالم كله يطالب بإبعادهم، ورغم أن استمرار الحرب لم يعد يخدم سوى مشروعهم.

التلون قد أنقذ البرهان في محطات كثيرة…

لكن هذه المرة، يبدو أنه لا مخرج بلا مواجهة الحقيقة:

لا سلام في السودان طالما ظل الكيزان ممسكين برقبة القرار…

ولا مستقبل سياسي لمن يدافع عنهم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!