حين تتحول المعركة من الميدان إلى العقول: لماذا تحتاج حكومة السلام إلى مركزٍ للأمن القومي والدراسات الاستراتيجية؟
عمار سعيد

عمار سعيد
من أكبر الأخطاء التي يمكن أن تقع فيها أي سلطة ناشئة أو أي مشروع سياسي وعسكري في ظروف معقدة كالتي يعيشها السودان اليوم، أن يظل منشغلاً فقط بإدارة المعارك اليومية ومتابعة التطورات الميدانية دون أن يمتلك عقلاً استراتيجياً مؤسسياً قادراً على قراءة ما وراء الأحداث واستشراف ما هو قادم. فالحروب الحديثة لم تعد تُحسم بالسلاح وحده، بل بالعقول التي تدير الصراع وتفهم طبيعة الخصم وتستبق خطواته قبل أن تتحول إلى أزمات حقيقية على الأرض.
وفي تقديري، فإن واحدة من أهم المؤسسات التي تحتاجها حكومة السلام بصورة عاجلة هي إنشاء مركز للدراسات الاستراتيجية والأمن القومي يتبع مباشرة لرئاسة المجلس الرئاسي، ويكون مرتبطاً بشكل مباشر بمراكز اتخاذ القرار العليا، لا باعتباره مؤسسة أكاديمية تقليدية تنتج أوراقاً نظرية، وإنما كغرفة تفكير سيادي تعمل على مدار الساعة لرصد وتحليل كل ما يمكن أن يهدد تماسك الدولة الجديدة ومشروعها السياسي والعسكري.
فالوقائع الحالية تشير بوضوح إلى أن سلطة بورتسودان وبعد تعثرها عسكرياً وفشل كثير من رهاناتها الميدانية، لم يعد أمامها سوى نقل المعركة إلى مساحات أخرى أكثر خطورة، وعلى رأسها اللعب على التناقضات الداخلية، وإثارة النزعات القبلية، وشراء الولاءات، ومحاولة صناعة الانشقاقات داخل المكونات السياسية والعسكرية والاجتماعية لتحالف تأسيس. وهذه الأدوات في الحقيقة ليست جديدة، بل ظلت تمثل السلاح الأكثر استخداماً لدى منظومة المركز طوال العقود الماضية، حيث نجحت عبرها في اختراق كثير من القوى وإضعاف خصومها وإعادة إنتاج نفوذها كلما تعرضت لهزات كبيرة.
لكن ما يجب الانتباه إليه أيضاً هو أن المنظومة القديمة نفسها أصبحت اليوم أكثر هشاشة وقابلية للتفكك من أي وقت مضى. فالصراعات داخل مراكز القوى، وتضارب المصالح، وحالة انعدام الثقة بين المكونات المتحالفة معها، كلها عوامل تجعلها بيئة قابلة للاختراق والتشظي إذا وُجدت مؤسسات تمتلك القدرة على التفكير الاستراتيجي وإدارة الصراع بعقل بارد وبعيد عن ردود الأفعال والانفعالات اللحظية.
ومن هنا تأتي أهمية وجود مركز استراتيجي محترف يضم خبراء في الأمن والسياسة والإعلام وعلم الاجتماع والاقتصاد وتحليل البيانات والحرب النفسية، تكون مهمته الأساسية تقديم تقديرات موقف مستمرة للقيادة، وتحليل كل السيناريوهات المحتملة، ورصد مؤشرات الاختراق أو التفكك قبل أن تتحول إلى أزمة حقيقية. فالدول لا تُحمى فقط بالبندقية، وإنما بمنظومات الإنذار المبكر التي تكتشف التهديدات قبل وقوعها.
كما أن هذا المركز يمكن أن يلعب دوراً محورياً في حماية الجبهة الداخلية عبر دراسة طبيعة المجتمعات المحلية، وفهم مناطق التوتر، وتحليل حملات التضليل والشائعات، ومراقبة محاولات بث الكراهية والانقسام داخل الحواضن الاجتماعية والعسكرية. فالمعركة القادمة في جزء كبير منها ستكون معركة وعي وإدراك وثقة، أكثر من كونها معركة سلاح فقط.
ولا يقل أهمية عن ذلك الدور المتعلق بإدارة الحرب الإعلامية والنفسية، لأن الخصوم يدركون جيداً أن استهداف الروح المعنوية ومحاولة خلق الإحباط وفقدان الثقة بين الناس وقياداتهم قد يكون أكثر تأثيراً من أي عملية عسكرية مباشرة. ولهذا فإن امتلاك مركز قادر على بناء سردية وطنية موحدة، ومواجهة حملات التضليل بشكل احترافي، وتحليل اتجاهات الرأي العام، أصبح ضرورة أمن قومي لا تقل أهمية عن أي غرفة عمليات ميدانية.
إن أكبر خطر يواجه أي مشروع سياسي في لحظات التحول التاريخي ليس فقط قوة خصومه، وإنما غياب المؤسسات القادرة على إدارة التعقيد واستباق المخاطر. ولهذا فإن إنشاء مركز للدراسات الاستراتيجية والأمن القومي لم يعد خياراً مؤجلاً أو ترفاً تنظيمياً، بل أصبح ضرورة تتعلق ببقاء المشروع نفسه وقدرته على الصمود والاستمرار.
فالمرحلة القادمة لن تكون مرحلة من يملك السلاح فقط، وإنما مرحلة من يملك القدرة على التفكير، والتحليل، وإدارة التناقضات، وحماية الجبهة الداخلية، وتحويل المعلومات إلى قوة، والاستفادة من أخطاء الخصوم قبل أن يستفيدوا هم من أخطائنا.




