رأي

بين القداسة المزعومة ودم الواقع (الحكاية التي لا تُروى)

مؤيد الأمين

 

مؤيد الأمين

ليس من السهل قراءة التجربة الإسلاموية في السودان بوصفها مجرد تعثّر سياسي عابر يمكن تجاوزه مع تغيّر الحكومات. فالمسألة أعمق من ذلك بكثير ، إذ نحن أمام حركة واحدة ظلّت، رغم تبدّل الأسماء والواجهات، تحافظ على جوهر ثابت ، الوصول إلى السلطة بأي وسيلة، ثم البقاء فيها مهما كان الثمن الذي يدفعه الوطن والناس.

وعند تتبّع الوقائع لا الشعارات، تتكشف صورة مختلفة تمامًا عن الخطاب الذي ترفعه. فبينما يُستدعى الدين والكرامة والوطن في الكلمات، يظهر في الواقع تاريخ طويل من الحروب والانقسامات والفساد والقمع. في الجنوب سالت دماءٌ غزيرة تحت لافتاتٍ دينية، ثم انتهى المشهد بانفصالٍ كامل وخسارةٍ وطنية موجعة. وفي دارفور اشتعلت نارٌ ما تزال آثارها الإنسانية مفتوحة حتى اليوم، جراحًا يصعب أن تندمل بمجرد تبدّل الخطاب.

وفي الداخل، لم يكن صوت المواطن السلمي أقلَّ استهدافًا من ميادين الحرب. فكلما ارتفعت المطالب بالحرية والعدالة، جاء الرد عنيفًا، وكأن الخطر الحقيقي لم يكن في السلاح الذي يهدد الدولة، بل في الكلمة التي تكشف حقيقتها. عشرات ومئات الضحايا سقطوا لأنهم حلموا بوطنٍ مختلف، وطنٍ لا تُدار فيه السياسة بالخوف ولا تُحمى فيه السلطة بالرصاص.

وهنا لا يعود من الدقة وصف ما جرى بأنه (أخطاء). فالخطأ زلّة عابرة قد تقع دون قصد، ثم تُراجع ويُعتذر عنها. أمّا ما حدث على امتداد السنوات فكان نمطًا متكررًا من الأفعال المقصودة، تُدار بوعيٍ كامل، وتُبرَّر بخطابٍ جاهز، وتُعاد كلما سنحت الفرصة. لذلك تبدو كلمة (جرائم) أقرب إلى توصيف الحقيقة من أي تعبيرٍ مُخفِّف يحاول تجميل المشهد أو تصغير فداحته.

الأخطر من الأفعال نفسها هو الإصرار على تغليفها بغلافٍ أخلاقي وديني، يوحي بأن ما يحدث ضرورة لحماية الدين أو الدولة. عند هذه النقطة يختلط المقدّس بالبشري، ويصبح الاعتراض على السلطة أقرب إلى الاعتراض على العقيدة. وهكذا تتحول القيم السامية إلى أدواتٍ سياسية، ويُدفع المجتمع إلى صراعٍ زائف بين الإيمان والحرية، رغم أن كليهما يمكن أن يجتمعا في وطنٍ سليم.

ومع مرور الزمن، لم تتوقف الخسائر عند حدود الدم. الموارد نُهبت، ومؤسسات الدولة أُضعفت، والولاء تحوّل من الوطن إلى التنظيم. حتى القضايا السيادية التي تُعدّ خطوطًا حمراء عند أي دولة، جرى التعامل معها ببرودٍ لافت، بينما وُجّه أقصى العنف إلى الداخل. مفارقة تكشف بوضوح أين كانت الأولويات الحقيقية، وأين استُخدمت القوة بلا تردّد.

وحين جاءت لحظة الثورة، ظنّ كثيرون أن الصفحة طُويت نهائيًا. لكن ما تلا ذلك أظهر أن البنية التي صنعت المأساة لم تختفِ، بل أعادت ترتيب نفسها بصبرٍ طويل. عاد الخطاب ذاته بثوبٍ جديد، وعادت محاولات خلط المفاهيم: خلط الجيش بالتنظيم، والوطن بالسلطة، والحرب بالبقاء السياسي. وكأن المطلوب من الناس أن ينسوا، وأن يبدأوا من ذاكرةٍ لا ترى إلا ما يُراد لها أن ترى.

غير أن ذاكرة الشعوب لا تُمحى بسهولة. فكل بيتٍ فقد عزيزًا، وكل أمٍّ انتظرت ابنها ولم يعد، وكل مدينةٍ ذاقت النزوح والخوف، تحمل شهادةً حيّة لا يمكن إسكاتها. هذه الشهادات الصامتة تقول إن ما جرى لم يكن صراعًا عابرًا ولا مؤامرة خارجية كما يُروَّج، بل نتيجة منهجٍ كامل يرى الوطن وسيلة لا غاية، ويرى البشر أرقامًا يمكن التضحية بها في طريق السلطة.

ومن هنا تتضح الحقيقة دون حاجةٍ إلى شعارات، المآسي التي تتكرر ليست قدرًا، بل ثمرة طريقٍ معلوم. وكل تجاهلٍ للجذر الحقيقي يعيد الدائرة إلى الدوران بصورةٍ أشد قسوة. وفي المقابل، كل تمسّكٍ صادق بالحقيقة كما حدثت، لا كما رُويت، يفتح احتمالًا مختلفًا للمستقبل.

يبقى السؤال الأوضح ؟! هل يمكن لوطنٍ أنهكته الجرائم والانقسامات أن ينهض بالعقل نفسه الذي قاده إلى السقوط؟ بعض الأسئلة لا تحتاج إجاباتٍ طويلة، بل تحتاج شجاعة النظر إلى النتائج كما هي. فهناك طرقٌ يكفي أن نسير فيها مرةً واحدة لنعرف أنها لا تقود إلا إلى الهاوية.

عند تلك اللحظة تحديدًا، تتحول الذاكرة من ألمٍ ثقيل إلى بوصلة هادئة تشير دون ضجيج إلى الطريق الذي ينبغي ألا يتكرر، وإلى طريقٍ آخر يمكن أن يبدأ… حين يُرى ما حدث باسمه الحقيقي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!