رأي

البرهان وسردية الهروب من الحقيقة: قراءة نقدية لمقال وول ستريت جورنال

نجم الدين دريسة

 

نجم الدين دريسة

منذ اندلاع الحرب في السودان، ظل عبد الفتاح البرهان يقدم نفسه للعالم باعتباره حامي الدولة وحارسها الأخير، غير أن ما يردده في خطابه الخارجي لم يعد يقنع أحداً، لا داخل السودان ولا خارجه. ومقاله الأخير المنشور في صحيفة وول ستريت جورنال يكشف أن الرجل يصر على صناعة رواية أحادية تحمّل الآخرين مسؤولية الحرب، بينما يتغافل عن الدور المحوري الذي لعبه هو والحركة الإسلامية في إشعالها وإدامتها وتوظيفها لإعادة إنتاج النظام القديم. وهذا ما يجعل تلك السردية بحاجة إلى تفكيك دقيق يضع الحقائق في موضعها.

يقول أحد الحكماء: “أخطر الأكاذيب تلك التي تُقدَّم في هيئة حقائق منمقة.” وهذا هو جوهر خطاب البرهان؛ فهو ينسج رواية موجهة للغرب يمنح نفسه فيها صك البراءة، بينما الوقائع تفضح كل ما ورد فيها.

منذ سقوط نظام البشير عام 2019 لم يكن البرهان نصيراً للثورة في أي لحظة، بل كان العقبة الأولى أمامها. فقد وقف ضد مشروع الانتقال المدني منذ بدايته، والتف على مطالب الشارع، ثم فتح الباب واسعاً أمام التدخل الأمني المصري في البلاد، في واحدة من أخطر مراحل ما بعد الثورة. وقد ترتب على هذه العلاقة غير المتوازنة وقوع مجزرة القيادة العامة، التي ستظل وصمة في سجل كل من شارك فيها تخطيطاً وتنفيذاً وتستراً. ولعل الحكمة القديمة التي تقول: “من لا يواجه ظلّه، لن يستطيع مواجهة الحقيقة” تعبّر بدقة عن وضع البرهان.

لم يتوقف الرجل عند ذلك، بل أطاح في 25 أكتوبر 2021 بالحكومة الانتقالية المدنية، منهياً عملياً أي أمل في انتقال ديمقراطي. كان الانقلاب لحظة كاشفة؛ إذ أعاد الحركة الإسلامية إلى مفاصل الدولة، وأعلن أن المؤسسة العسكرية المختطفة ليست جزءاً من مشروع الدولة المدنية، بل خصماً عليه. منذ تلك اللحظة، لم يكن البرهان خصماً لقوى الثورة فحسب، بل خصماً لمستقبل السودان كله.

والسودانيون الذين بحثوا بعمق في جذور الأزمة يدركون أن الجيش الذي يستند إليه البرهان ليس مؤسسة وطنية عصية على التسييس كما يحاول تصويره. فهو جيش تشكل قبل قيام الدولة الحديثة بأكثر من ثلاثة عقود، وورث بنيته من الإدارة الاستعمارية، وظل عرضة للاختطاف والارتهان والتوظيف السياسي. لكنه ظل في لحظات الاختبار أداة في يد أصحاب الامتيازات التاريخية، لا قوة تعبر عن تطلعات الشعب. وقد لخّص أحد المفكرين هذا الواقع بالقول: “ليست كل قوة في الزي العسكري قوة في خدمة الوطن.”

أما بخصوص الحرب الحالية، فإن رواية البرهان القائمة على تحميل قوات الدعم السريع كامل المسؤولية تتجاهل حقيقة راسخة يعرفها السودانيون: أن الحركة الإسلامية المختطفة للجيش هي التي أشعلت حرب 15 أبريل 2023 بعد أن وجدت نفسها أمام اتفاق إطاري كان يمهد لتفكيك نفوذها في المؤسسات. الذين رفضوا إصلاح الجيش، ورفضوا دمج قوات الدعم السريع وفق عملية مهنية متفق عليها، هم أنفسهم الذين رأوا في اندلاع الحرب فرصة أخيرة لإعادة السيطرة على الدولة. ويجد المرء هنا معنى قول الحكماء: “من يشعل الحرائق لا يملك حق الادعاء بأنه رجل الإطفاء.”

وفي مقاله الأخير، يقدّم البرهان الدعم السريع باعتبارها ميليشيا مارقة، لكنه يتجاهل أنها نشأت بقانون وكانت جزءاً من المنظومة الأمنية الرسمية، وأنه كان يصفها دائماً بأنها خرجت من رحم القوات المسلحة. كما يتجاهل أنها أدت دوراً مهماً في مكافحة الهجرة غير الشرعية والجرائم العابرة للحدود، وأنها انحازت بوضوح للاتفاق الإطاري ومشروع الانتقال المدني. والسؤال المشروع هنا: إذا كانت قوات الدعم السريع بهذا القدر من الخطورة منذ البداية، فلماذا اعتمد عليها لسنوات؟ ولماذا لم يتحرك لإعادة هيكلتها إلا حين أصبح المسار المدني يهدد بنية النفوذ القديم؟ وهنا تستعاد حكمة بليغة: “لا يثور على الخطر إلا حين يهدد مصالحه، لا مصالح الناس.”

السودانيون يدركون اليوم أن البرهان لم يعد صانع قرار مستقل، بل يتحرك تحت تأثير جهات خارجية وداخلية. فالقاهرة الرسمية التي تتجاوز حدود سوء الظن كانت ولا تزال واحدة من أهم مصادر توجيهه، والحركة الإسلامية التي فقدت امتيازاتها بعد الثورة تحركه بما يشبه التحكم عن بعد. وقد قيل قديماً: “من يتلقى قراراته من الخارج يفقد حق الحديث عن السيادة.”

هذا كله يجعل من السهل فهم حقيقة أن حديث البرهان عن السيادة والدولة والقانون مجرد غطاء سياسي لا يخفي شيئاً. فالمتابعون للشأن السوداني يعرفون أن ما أورده في مقاله لا يمت للواقع بصلة. لقد أصبح الرجل يتعمّد الكذب، حتى أدرك السودانيون أنه شخص لا يوثق به. وكما قال أحد الحكماء: “من يتحرى الكذب، يفقد الطريق إلى الحقيقة.”

لقد تجاوز السودانيون مرحلة الانخداع بالسرديات الرسمية. الحرب، بكل آلامها، كشفت أن المشروع القديم القائم على حكم الأوليغارشية لا يمكن إحياؤه مهما حاول أصحابه. الدولة المركزية القديمة تهاوت أخلاقياً وسياسياً، ولم يعد بالإمكان إقناع السودانيين بعودة سلطة النخبة، لا تحت اسم الجيش ولا تحت اسم الاستقرار. وكما ورد في حكمة أخرى: “الشعوب قد تُخدع مرة، لكنها لا تُقاد بالكذبة ذاتها مرتين.”

واليوم، ومع اتساع الوعي الوطني، يدرك السودانيون أن بناء الدولة العادلة لن يتم بجيش مختطف، ولا بمؤسسة أمنية توظف لحماية النفوذ السياسي، ولا بخطابات تكتب في الخارج لتلميع الداخل. إنهم يعرفون أن ما يجري هو صراع بين مشروعين: مشروع يرث الخراب ويدافع عنه، ومشروع يريد دولة المواطنة والعدالة.

في النهاية، ليس أمام السودان إلا طريق الحقيقة. والحقيقة تقول إن البرهان لم يكن يوماً رجل سلام، ولا حليفاً للثورة، ولا شريكاً في مشروع الدولة المدنية. كان  ولا يزال  أحد أبرز معاول الهدم في أخطر مرحلة مر بها السودان. والسودان، مهما طال الليل، سيكتب روايته بنفسه، ولن يسمح لأحد أن يكتبها عنه، لا في الصحف الدولية ولا في المنابر الرسمية.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!