قرارات مجلس الأمن والدفاع… بين الواقعية السياسية ورهانات الخسارة المؤكدة
لواء ركن دكتور مهدي الأمين كبة

لواء ركن دكتور مهدي الأمين كبة
جاء قرار مجلس الأمن والدفاع بقبول المساعدات الإنسانية وحمايتها وصولًا إلى المتضررين ليشكّل انعطافة لافتة في مسار الأزمة السودانية. فهذا القرار، في جوهره، يعكس قبولًا ضمنيًا بالنهج الدولي التدريجي الذي تبنّته الأمم المتحدة والدول الفاعلة، ويعيد وضع السودان داخل الإطار الأممي بعد سنوات من الارتباك والرفض والتردد.
هذا التحول وضع الداعمين الإقليميين والدوليين في موقف حرج، إذ وجدوا أنفسهم أمام سؤال واضح: هل يواصلون دعم مواقف ترفض المسار التفاوضي، أم يستجيبون لقناعات شعوبهم التي باتت ترى أن قوات الدعم السريع لم ترفض أي مبادرة دولية أو إقليمية—من جدة إلى مسقط إلى جنيف—وأن شروطها ورؤيتها بقيت ثابتة وواضحة منذ بداية الحرب؟
من الناحية العملية، يستمر الخطاب الرسمي في تحميل الدعم السريع مسؤولية الحرب، رغم أن الوقائع تشير إلى أن القوات المسلحة كانت البادئة بها تحت دعاوى سياسية هشّة تبنتها الحركة الإسلامية والمؤتمر الوطني. لذلك يبدو رفض الفريق أول البرهان للتفاوض مفهومًا من زاوية حسابات السلطة، لكنه غير منطقي من زاوية الواقع العسكري والسياسي المتحوّل.
التمسك بفكرة عدم التفاوض مع الدعم السريع لا يغيّر من حقيقة أن هذه القوات نشأت بقانون القوات المسلحة، وصادق عليها برلمان منتخب بأغلبية ساحقة، وشاركت في حرب اليمن كقوات نظامية محترفة تنتدب لها خيرة الضباط. تجاهل هذه الحقائق يشبه إنكار الأم لجنين ثبتت نسبته بكل الدلائل.
على الأرض، يبدو الحسم العسكري ضربًا من الوهم بعد أن انضمت إلى جانب الدعم السريع حركات الكفاح المسلح وعناصر ذات خبرة قتالية تمتد لأربعة عقود، إضافة إلى التفوق الميداني للدعم السريع ومعرفته بطبيعة الأرض والسند الشعبي الواسع.
رهان القيادة على تفكك الدعم السريع أو تحوّل موازين القوى الدولية يظل رهانًا خاسرًا، كما أن الاعتماد على تحالفات ظرفية—سواء مع مصر أو أطراف داخل الرباعية—لا يعوّض غياب الرؤية الإستراتيجية وافتقاد القرار الوطني المستقل.
اليوم، تبدو العودة إلى طاولة التفاوض هي الخيار الأكثر عقلانية. فخطاب الفريق أول محمد حمدان دقلو، رئيس حكومة التأسيس، قدّم حلولًا سياسية وعسكرية وإنسانية شاملة، واستجاب لتطلعات الداخل ونداءات المجتمع الدولي، ما يجعل من مسار التفاوض طوق النجاة الوحيد قبل أن تتعمق الأزمة أكثر.
نواصل



