رأي

ربّ الفور يطلب الخلاص الأميركي: قراءة في مقال البرهان بوول ستريت جورنال

إبراهيم برسي

 

إبراهيم برسي

ليس في مقال عبد الفتاح البرهان المنشور في صحيفة وول ستريت جورنال بتاريخ 26 نوفمبر 2025 سوى شيء واحد يمكن اعتباره حقيقة، وهي أنّ الرجل يكتب من داخل الفراغ فراغ الدولة، وفراغ الشرعية، وفراغ الفكرة نفسها.

وأكثر ما يلفت في المقال أنّه يبدأ بكلمة الحقيقة. وهذه، في سياق الحرب السودانية، ليست كلمة بريئة، خصوصاً في بلد يأكل فيه الناس علف الحيوانات ويشربون الماء الملوث، ويشرد فيه الملايين، وتدفن فيه الأسر قتلاها في باحات المنازل والميادين، فتصبح كلمة الحقيقة إعلاناً بائساً عن محاولة غسل اليدين، وتصدير صورة جديدة عنه للعالم.

فالبرهان لا يريد الحقيقة كما هي، بل الحقيقة التي تخدمه حقيقة مصاغة، منتقاة، وملمعة بما يكفي لتبدو مقنعة في الصحيفة التي قرر أن يخاطب من خلالها الغرب.

وبين خطاب البرهان الأخير ومقاله المنشور في وول ستريت جورنال، يمكن ملاحظة محاولة واضحة لتغيير الجلد؛ تلك العملية التي تسميها الأدبيات السياسية الغربية غسل الصورة أو Image laundering حين يسعى القائد المتورط في الفوضى إلى تقديم نفسه للخارج بصفته رجل الدولة الذي ضل الطريق ثم عاد. لكن هذا النوع من الخطابات لم يعد يُخدع به أحد، لأنها تشبه تمامًا ما فعله ريتشارد نيكسون عندما حاول إقناع الأميركيين بأن فضيحة وترغيت ليست سوى سوء فهم، أو ما فعله ريغان حين اختطف سردية فضيحة إيران–كونترا ليقدم نفسه حامياً للأمن القومي وليس متجاوزاً للقانون.

في كل تلك الحالات، كان السياسي يعتقد أنّ اختطاف السردية قادر على محو الحقيقة، وأن إعادة صياغة دوره السياسي تكفي لإقناع العالم بأن ما جرى لم يجر أصلاً.

وهكذا يصبح مقال البرهان نسخة سودانية رثة من محاولات إعادة الترويج السياسي التي اشتهرت بها الحملات الأميركية حين تسعى لتلميع المرشحين المتعثرين.

المقال يُظهر الرجل كأنه يكتشف لأول مرة أنّ الدعم السريع مليشيا خارجة عن الدولة. لكنه ينسى متعمداً أنّ الدولة التي يتحدث عنها لم تكن يوماً بريئة، وأن هذه القوة قد خرجت من ضلعها لا من ضلع الشيطان.

ينسى أنّ النظام الإسلامي الذي يقف خلفه اليوم هو من سلح الجنجويد، ومن استخدمهم، ومن دفع بهم إلى حروب دارفور، ومن شرعن وجودهم. ينسى أنّه هو نفسه كان شريكاً أصيلاً في الإبادة الجماعية وأنه أطلق على نفسه يومها لقب رب الفور.

البرهان، في مقاله البائس الركيك، يمارس اللعبة نفسها: يحاول أن ينقل صورته من مربع المسؤولية إلى مربع الضحية، ومن خانة الشريك في صناعة الأزمة إلى خانة الرجل الذي يحاول إنقاذ الدولة من الوحش الذي ربته الدولة نفسها.

وبذلك لا يختلف كثيراً عن سياسيين أميركيين اعتقدوا أن سردية مختلقة يمكنها أن تتفوق على الذاكرة الحقيقية.

فالخطاب حين ينفصل عن جذره التاريخي لا يعود شهادة على الحقيقة، بل يصبح مجرد قناع جديد لرجل يحاول الفرار من صورته القديمة.

فهل رب الفور بهذه السذاجة والهشاشة ليعرف الحرب للغرب على أنها دولة في مواجهة ميليشيا؟ هذا التعريف يصلح لخطاب تعبوي أمام جنوده، لكنه لا يصلح لكتابة مقال في صحيفة أميركية تقرأها مؤسسات ودول وخبراء يعرفون التفاصيل أكثر مما يعرفها هو ومن كتب له المقال. فالغرب يعرف أنّ الدولة التي يتحدث عنها ليست الدولة التي يتخيلها، بل هي دولة مخترقة منذ عام 1989 بشبكات الإسلاميين، وأن الجيش الذي يقدمه كحارس الوطن ليس جيشاً موحداً، بل جهازاً منقسماً، مسيطراً عليه سياسياً، وتستخدمه قوى عديدة كضامن للحكم وليس لحماية الشعب، والبلد.

المقال لا يكتفي بإخفاء الماضي، بل يزيّف الحاضر. يكتب البرهان كما لو أنّه لم يخرج قبل يوم واحد مهاجماً مبعوث الرئيس الأميركي مسعد بولس، وكأن الولايات المتحدة ليست دولة مؤسسات لها رأي واحد يتجسد في مواقف رسمية محددة.

يتجاهل الرجل ذكر مسعد بولس، ويتحدث للغرب وكأنه يتحدث لأصدقاء في جلسة خاصة: يرسل إشارة لإسرائيل، إشارة لترامب، إشارة لبن سلمان، وكأنه يكتب نصاً يصلح للاستهلاك السياسي المحلي وليس لصحيفة دولية.

هذا النوع من الخطابات يكشف جهلًا بنيوياً بطريقة عمل العالم، ويكشف أنّ الرجل لا يفهم الفرق بين خطاب رئيس جلسة وخطاب رجل دولة.

ولهذا قال السفير الأميركي السابق بوضوح فاضح في قناة الجزيرة إنّ من كتب المقال للبرهان لا يعرف شيئاً عن الدبلوماسية ولا عن آليات الدولة الأميركية.

أما على مستوى ما بين السطور، فالمقال يحمل رائحة الخوف أكثر مما يحمل رائحة القوة. هذه ليست مقالة قائد جيش واثق من نفسه، بل مقالة رجل يشعر أنّ الأرض تميد تحت قدميه: تغيّرت مواقف السعودية، تغيّرت حسابات الإمارات، تغيّر موقف الغرب، وتلاشت صورة الجيش بوصفه مؤسسة متماسكة.

كل فقرة في المقال تصرخ بأنّ البرهان لم يعد يتحدث من مركز قوة، بل من مركز تهديد، تهديد بأن انهياره يعني انهيار الدولة، وكأنّه أصبح هو الدولة، وكأن الشعب وكل مؤسسات البلد مجرد ملحقات لحضوره.

المقال أيضاً يحاول أن يُعيد إنتاج دور الإسلاميين بهدوء. يقدمهم كحلفاء الدولة الذين يمكن الوثوق بهم في الحرب، ويتجاهل أنّهم أصل الخراب، وأن الحرب نفسها لم تكن لتقع بهذا الشكل لولا شبكاتهم داخل الجيش والأمن والاقتصاد.

يقدم نفسه كبديل وحيد، ويمدح استعداد الجيش للانتقال للحكم المدني، وهي جملة يعرف هو قبل غيره أنّها خرافة تروج للاستهلاك الخارجي.

ما يميز المقال فعلاً هو أنه يكشف صورة البرهان كما هي: رجل فقد القدرة على قراءة الزمن. يكتب للغرب بلغة توسل، ويكتب للشعب بلغة إنكار، ويكتب لنفسه بلغة وهم.

يظن أنّ واشنطن لا ترى التناقض بين رفضه للرباعية أمس واستجدائه لها اليوم.

يظن أنّ إسرائيل ستعود للتحالف معه لأنه لوّح بالاتفاقية الإبراهيمية.

يظن أنّ ترامب يمكن أن يعيد تشكيل السياسة الأميركية عبر كلمة طيبة.

يظن أنّ محمد بن سلمان سيتعامل معه كطرف قوي، لا كطرف غارق في حرب خاسرة.

لكن الأهم أنّه يظن أنّ المقال يمكن أن يخدع العالم، وهذه وحدها تعكس جهلًا بحجم الخراب.

العالم يعرف.

العالم يرى.

العالم يوثق.

العالم يعرف أنّ الحرب ليست معركة بين دولة وميليشيا، بل معركة بين رجلين خرجا من الفضاء نفسه، كلاهما من صنيعة النظام الإسلامي، وكلاهما قاد البلاد إلى الجحيم.

السودان، وهذه هي الحقيقة التي يخاف أن يقولها البرهان، لا ينتظر مقالات في وول ستريت جورنال. السودان ينتظر دولة لا يشترك في حكمها جنرالان، ولا تتحكم فيها ميليشيا، ولا تكتب دستورها الحركة الإسلامية، ولا تُدار قراراتها في مقرات خارجية.

وفي النهاية، النص الذي أراده البرهان تبرئة تحوّل إلى إدانة.

إدانة لفهمه للدولة، وفهمه للغرب، وفهمه للزمن، وفهمه لنفسه.

والدولة التي أراد أن يصنع منها استعارة مجيدة ظهرت في مقاله كما هي: فراغ كبير يتكلم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!