
عبدالعزير بخات المحامي
في زمن الحرب لا تموت الاجساد وحدها بل تموت الكلمات ايضا
تظهر مصطلحات كثيرة تحمل في ظاهرها شعارات وفي باطنها سموم
تولد من رحم الصراع لتعيد تشكيل وعي الناس وتبرر ما لا يبرر
من بل بس التي تعني اغلاق باب السلام
الى فتك متك التي تفتح باب الابادة
ثم جاء اخطرها جميعا مصطلح حضن الوطن
مصطلح ناعم في لفظه عنيف في اثره
يقسم الناس ويعيد تعريف الانتماء وفق ميزان الولاء لا الحق
في اصل القانون والدستور لا وجود لهذا العبث
المادة 7 من دستور السودان الانتقالي لسنة 2005 نصت بوضوح على ان المواطنة اساس الحقوق والواجبات
والمادة 31 قررت ان الناس سواسية امام القانون دون تمييز بسبب العرق او اللون او اللغة او الدين او الرأي السياسي
والمادة 29 قررت ان لكل انسان الحق في الحرية والامان على شخصه
هذه النصوص لا تعرف مصطلح حضن الوطن ولا تعترف به
لان الوطن في القانون لا يتجزأ ولا يمنح بالولاء
الموطن ليس شعارا يرفع ولا كلمة تردد في بيانات الحرب
الموطن هو الارض التي يولد فيها الانسان ويحمل ترابها في دمه وذاكرته
والمواطنة ليست منحة من حاكم ولا بطاقة يمنحها قائد
بل هي حق اصيل يولد مع الانسان ولا يسقط الا بسقوط الدولة نفسها
اما القائد الوطني فليس من يوزع الولاء ويقسم الناس
بل من يحفظ وحدة الارض وكرامة الشعب ويصون الحقوق بلا تمييز
في السودان اليوم تم اغتيال هذا المعنى
تم تحويل الوطن من حق جامع الى اداة فرز
ومن حضن يسع الجميع الى مصطلح مسموم يحدد من ينتمي ومن يعاقب
وهنا تكمن الجريمة الكبرى
جريمة قتل المواطنة باسم الوطن
ما يسمى حضن الوطن لم يكن يوما حضنا حقيقيا
بل كان اداة سياسية لتصنيف السودانيين
ومن اخطر صوره ما يسمى باحضان برهان للعائدين من الدعم السريع
فهذا ليس حضنا للوطن بل عملية فرز سياسي وامني
يعاد من خلالها تشكيل الولاءات تحت مسمى العودة
بينما الحقيقة ان الوطن لا يحتاج الى عودة من احد لان ابناءه لم يغادروه اصلا
من يحمل جنسية السودان هو في وطنه سواء حمل سلاحا ثم تركه او لم يحمله
وبهذا تم نسف اساس الدولة
لان الدولة التي تقسم مواطنيها تفقد شرعيتها الاخلاقية قبل السياسية
من الذي اعطى اي انسان او سلطة حق ان يقول لهذا المواطن انت داخل الوطن وهذا خارجه
الوطن لا يملك مفاتيحه جنرال ولا حزب
الوطن تحدده الجغرافيا والتاريخ والدستور
لا تحدده خطابات الحرب ولا بيانات العفو
والتاريخ القريب شاهد على خطورة هذا العبث
نمولي وجوبا وواو وابويل كانت يوما جزءا من الوطن الواحد
لم تكن خارج حضنه بل كانت قلبه النابض
لكن السياسات الاقصائية والحروب قسمت البلاد حتى اصبحت اليوم دولة اخرى
فهل كانت تلك المدن خارج حضن الوطن ام ان مفهوم الوطن نفسه تم تمزيقه
وحلايب وشلاتين وابي رماد في الخرائط سودانية
لكن الواقع يقول انها خارج السيطرة الفعلية
فهل ضاق حضن الوطن عنها ام تم التفريط فيها
هذه الاسئلة تكشف ان المشكلة ليست في الجغرافيا بل في طريقة ادارة الوطن
الاخطر من ذلك ان هذا المصطلح لم يكن بريئا
بل كان جزءا من هندسة واعية لتفتيت المجتمع
حين يقال عن منطقة انها خارج حضن الوطن يتم تهيئة الوعي لقبول قصفها
وحين يقال عن مجموعة انها ليست من الحضن يتم تبرير قتلها او تهجيرها
وهكذا تتحول اللغة الى سلاح اخطر من الرصاص
ثم نسال سؤالا موجعا
اذا كان هذا هو حضن الوطن
فلماذا هرب الملايين منه؟
لماذا امتلأت الصحارى والحدود باجساد السودانيين الباحثين عن ملاذ؟
لماذا غرق شبابنا في البحار وهم يحاولون الهروب من وطن يفترض انه يحضنهم؟
لماذا ماتت امهات واطفال في طرق اللجوء وهم يبحثون عن كرامة فقدوها في بلادهم؟
هل هربوا من وطن ام من سلطة تدعي انها الوطن؟
اللاجئون السودانيون في دول العالم لم يخرجوا بحثا عن رفاهية
بل خرجوا هربا من الخوف والجوع والاقصاء
خرجوا لان الوطن لم يعد يوفر الحد الادنى من الامان
خرجوا لان مفهوم المواطنة تم استبداله بالولاء
ومن لا يبايع يصبح غريبا في بلده
اما الذين ابتلعهم البحر فهم الشاهد الاكثر قسوة
لم يهربوا الى الموت عبثا
بل فضلوا احتمال الغرق على البقاء في واقع يسحق انسانيتهم
وهنا تسقط كل شعارات حضن الوطن
لان الحضن الحقيقي لا يدفع ابناءه الى البحر
الوطن الحقيقي لا يطرد مواطنيه ولا يساومهم على حقوقهم
الوطن الحقيقي لا يطلب منك اثبات ولائك كي تعيش فيه
الوطن الحقيقي لا يميز بين دارفوري ونوبي وشرقاوي وخرطومي وشمالي
بل يرى الجميع بشرا متساوين في الكرامة والحقوق
ما يحدث اليوم هو استبدال للوطن بفكرة ضيقة تخدم تجار الحرب وتجار الدين والموت
هؤلاء الذين يعيشون على استمرار الصراع
ويغذون الانقسام بالكلمات قبل الرصاص
يصنعون قاموسا جديدا ليبرروا به القتل
مرة باسم الكرامة ومرة باسم الدين ومرة باسم الوطن
لكن الحقيقة واضحة
كلما تم تقسيم اللغة تم تقسيم الارض
وكلما تم تقسيم الارض تم تقسيم الدم
الوطن لا يحتاج الى حضن مزيف
بل يحتاج الى عدالة حقيقية
يحتاج الى دستور يحمي الجميع دون استثناء
يحتاج الى دولة ترى في كل مواطن قيمة لا عبئا
يا شعب السودان
لا تقبلوا ان يعاد تعريفكم وفقا لمصطلحات الحرب
لا تسمحوا لاحد ان يمنحكم حقكم او يسلبكم اياه
انتم الوطن
ولستم ضيوفا في حضنه
ويا تجار الدين والدم والحروب
لن تنجحوا في خداع شعب عرف الحقيقة
لن تنجحوا في بيع الاوهام لمن دفع ثمنها دما وتهجيرا وتشريدا
التاريخ لا يرحم
والاوطان لا تبنى بالكذب
الوطن سيبقى
لكنكم لن تبقوا
وسيعود تعريف الوطن الى مكانه الصحيح
ارض تسع الجميع
وشعب لا يقسم
وحق لا يمنح بل يؤخذ
هذا هو السودان الذي يستحق ان يعيش
وهذا هو الحضن الحقيقي الذي لا يطرد ابناءه ولا يساومهم على كرامتهم




